من غزة الى الضفة، من لبنان الى سوريا والعراق، وصولا الى ارض الصومال وما بينهما. لا يمكن قراءة ما يجري بوصفه سلسلة احداث منفصلة او ازمات محلية متجاورة.
نحن امام مشهد اقليمي واحد، متعدد الساحات، ضُرب فيه مشروع المقاومة ضربة قاسية. هذا توصيف واقعي لا إنكار فيه، ولا فائدة من تجميله لغويا او سياسيا.
لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هنا ليس حجم الضربة ولا توقيتها، بل ما الذي يفتح عليه هذا التحول، وما الذي سيأتي بعده.
الخطر اليوم لا يداهم فصيلا بعينه ولا تنظيما محددا، ولا يمكن حصره في معسكر سياسي دون اخر. الخطر يطال كل الدول العربية، كل الشعوب، كل الكيانات التي افترضت انها مستقلة، كل الحدود المرسومة، كل الممرات الحيوية، كل الاقليات والاكثريات، كل الديانات، كل الاحزاب.
هذا ليس خطابا إنشائيا ولا تهويلا مقصودا، بل توصيف لواقع دخلناه بالفعل، واقع تتآكل فيه ركائز النظام الاقليمي، وتُعاد فيه كتابة قواعد الامن والسيادة، لا وفق مصالح شعوب المنطقة، بل وفق خرائط قوة تُرسم من خارجها وتُفرض عليها.
حين يقال ان مشروع المقاومة تلقى ضربة قاسية، يغدو السؤال الملح ليس مقدار الخسارة العسكرية او السياسية المباشرة، بل طبيعة التحول الذي انتجته هذه الضربة في بنية الصراع ككل. الضربة هنا لا تعني انهيارا ولا خروجا من المعادلة، بل انتقالا قسريا الى مرحلة اشد تعقيدا، حيث لم يعد الصراع محصورا في خطوط تماس واضحة او ساحات مواجهة تقليدية.
ما تهشم فعليا هو وهم الاستقرار الذي عاش عليه كثيرون، وهم امكانية الاحتماء بنظام اقليمي تديره قوة واحدة وتضمن هوامشه وحدوده.
في هذا السياق، يظهر ان الاكثر تعرضا للخطر ليس من خاض المواجهة وهو يدرك كلفتها، بل من بنى وجوده السياسي والامني على فرضية الحماية الخارجية.
هذه الكيانات، التي ادت ادوارا وظيفية داخل المنظومة الاميركية، تجد نفسها اليوم امام فراغ استراتيجي حقيقي. لا ضمانات ثابتة، ولا خطوط حمراء مستقرة، ولا التزامات طويلة الامد.
الممرات الحيوية التي اعتُبرت مصادر قوة تحولت الى نقاط ضغط، والحدود التي رُسمت كمسلمات باتت قابلة لإعادة التشكيل، والدول التي وُصفت بالمستقرة تكتشف هشاشتها عند اول اختبار جدي.
يكفي التوقف عند مشهد واحد لفهم عمق هذا التحول.
الممرات البحرية التي كانت تُدار بوصفها شرايين تجارة محمية، من البحر الاحمر الى باب المندب وصولا الى قناة السويس، تحولت فجاة الى مساحات صراع مفتوح، لا تملك فيها القوة الاميركية ولا حلفاؤها قدرة الضبط الكامل.
ما كان يُقدَّم كدليل على الاستقرار العالمي بات اليوم نقطة هشاشة، وما اعتُبر ضمانة للنظام الدولي صار اداة ابتزاز وضغط متبادل.
في المقابل، دول عربية بنت امنها واقتصادها ودورها الاقليمي على فكرة المرور الآمن تحت المظلة الغربية، تكتشف ان هذه المظلة لا تحمي بقدر ما تعيد ترتيب الاولويات وفق مصلحة المركز، لا وفق بقاء الاطراف.
بهذا المعنى، لا يمكن قراءة ما جرى كهزيمة طرف وانتصار اخر، بل كانتقال شامل في طبيعة النظام الاقليمي نفسه.
من امتلك مناعة الصراع الطويل قد يخرج مثقلا بالجراح لكنه واقف، اما من عاش على فائض الطمأنينة المستعارة، فيواجه اليوم اخطارا وجودية حقيقية، لا لانه استُهدف مباشرة، بل لانه فقد البيئة التي كان يفترض انها تحميه.
لا نحن امام نهاية مواجهة، ولا امام لحظة تسوية قريبة.
ما نشهده هو بداية زمن اكثر قسوة ووضوحا، زمن تتساقط فيه الاوهام تباعا، ويُعاد فيه تعريف القوة، والموقع، والمعنى.
السؤال الحقيقي الذي يواجه الجميع اليوم ليس من خسر اكثر، بل من يملك القدرة على العيش حين تتآكل القواعد القديمة، وحين يصبح الموقع الجغرافي عبئا، والتحالف مخاطرة، والحياد وهما.
هذه ليست خاتمة مريحة، ولا ينبغي لها ان تكون كذلك. من لا يقرأ ما يجري بوصفه تحولا بنيويا لا حادثا عابرا، سيكتشف متاخرا ان الخطر لم يكن في الضربة ذاتها، بل في ما فتحته من مسارات لا عودة عنها.

تعليقات
إرسال تعليق
أترك تعليق