د. أشرف الصباغ يكتب : في رحيل داود عبد السيد


الجميع يعرف أن المخرج المصري داود عبد السيد لم يقدم إلا القليل مما كان لديه. والأسباب معروفة أيضا للجميع. ولذلك فموته لا يثير الحزن فقط، بل ويثير الغضب أيضا. 

داود عبد السيد ليس شاعر السينما، لأن هذا اللقب حصل عليه المخرج الروسي- السوفيتي أندريه تاركوفسكي منذ فيلمه المهم "طفولة إيفان" عام 1962، وهذا اللقب جزء عضوي لا يتجزأ من عالم تاركوفسكي: شعرية الصورة، وشعرية الفكرة، وشعرية التكوين البصري، وشعرية الإيقاع الموسيقي، وشعرية الصمت. بينما المصري داود عبد السيد هو عازف الحزن المصري عبر الزمن على خلفية الفكاهة والمرارة والغضب الشفيف، والرحمة والرفق بالإنسان رغم كل دناءاته وانحطاطاته.. هو عازف الألم المصري على خلفية الفكرة الواقعية والتحولات الاجتماعية المؤلمة.. وهو عازف الروح المصرية في كل تحولاتها الدراماتيكية بملامح مصرية حصرًا. والإنسان عند داود عبد السيد هو الكائن الهش، لكن القادر على مراوغة الحياة. وهنا تحديدًا يمتلك الإنسان المصري- في عالم داود عبد السيد السينمائي- صفاته وملامحه الإنسانية العامة. 

أبرز أفلامه الروائية:

الصعاليك (1985)

البحث عن سيد مرزوق (1990)

الكيت كات (1991)

أرض الأحلام (1993)

سارق الفرح (1995)

أرض الخوف (1999/2000)

مواطن ومخبر وحرامي (2001)

رسائل البحر (2010)

قدرات غير عادية (2015) 

أفلام تسجيلية:

كما أخرج أفلامًا تسجيلية مهمة في بداية مسيرته، منها "وصية رجل حكيم في شؤون القرية والتعليم" (1976), "العمل في الحقل" (1979), و"عن الناس والأنبياء والفنانين" (1980).

من الصعب الآن، الحديث عن الصفات الشخصية لهذا المخرج المصري. لكنه في الوقت الذي امتلك فيه صفاته الإنسانية العامة، وسماته البشرية الطبيعية، منحته الطبيعة ملامحه المصرية الأصيلة في صورة طبق الأصل من أجداده القدامى، فصارت ملامحه كما لو كان صورة حية من وجه أبو الهول، أو أخناتون... 

وضع داود عبد السيد أسسًا مهمة لسينما مختلفة ضد القبح والسطحية والاستسهال، ارتبطت فيها الصورة بالتركيبة النفسية والعمق الفلسفي، فمنحنا فضاءات أوسع لفهم أنفسنا، وإدراك أخطائنا، والرفق بالإنسان في أحط لحظات حياته، وأسوأ لحظات اختياراته التي عادة ما تكون شحيحة للغاية، عبر رؤية عامة وشاملة قائمة على فلسفة إنسانية- اجتماعية. فأضحكنا وأبكانا، وطبطب على قلوبنا، ومزَّق أرواحنا، وجعلنا في نهاية المطاف نضحك على أنفسنا عندما نكون قساة وسفلة ومستهترين، ونسخر من مصادر العنف والظلم والفساد والغطرسة. 

اذهب، يا رجل، فأنت باق، لأنك تركت أجزاء حية من روحك في حياتنا وأرواحنا وقلوبنا.. إن رحليك- ببساطة- قرين البقاء.

(الصورة من أعمال الفنان محمد الكاشف) 




تعليقات