21 سبتمبر 1988
اليوم الأول في ماسبيرو
كان قيظ الصيف يجتاح المدينة عندما خرجت من مقر جريد صوت العرب الناصرية لصاحبها ورئيس تحريرها المناضل الناصري الصلد عبد العظيم مناف الذي تعرفت إاليه في صيف العام السابق لهذا اليوم، كنت قد أمضيت عاما في بحور صحافة صوت العرب كمحرر رياضي في الجريدة بعد أن فشلا قصة انضمتمي لقسم التحقيقات نظرا لازدحام القسم بعدد كبير من الصحفيين الذي يعملون بها، كنت في ذلط الوقت قد انهيت عامي الدراسي الثاني بكلية الإعلام، أما الأن فقد تخطيت العام الثالث من دراستي وقد تحولت وجهتي الدراسية تماما، كنت قبل يوم اختبارات الكلية قد عزمت على الالتحاق بقسم الصحافة التي بدأت العمل بها منذ الشهر الثاني لدراستي بالكلية، وبلكن يوم الاختبار أراد القدر أنيكون نصيبي الالتحاق بقسم الإذاعة والتليفزيون بالكلية وكان ذلك تحديا مني لزملائي المتقدمين للكلية، وهذكذا تغيرت الوجهة من الصحافة إلى الإذاعة والتليفزيون، ولكني استمريت في العمل في صوت العرب بعد أن أصبح القسم الرياضي كله في عهدتي ولم أزل في العام الدراسي الثالث.
خرجت من صوت العرب من مقرها 2شارع حندوسة وهو الشارع الصير الذي يربط بين بين الكوبري الفاصل بين مستشفي القصر العيني، وشارع القصر العيني وتطل الشقة التي فيها مقر الجريدة على فرع النيل الصغير في المنيل الفاصل بين المنيل وجاردن سيتي، كان الحر شديد وكنا نستعد في الجريدة للاحتفال بالعيد ال 36لثورة يوليو وكان سؤالي الرئيسي للرياضيين عن ما تبقي من يوليو بعد كل هذه السنوات وقد انجزت التحقيق، وخرجت من الجريدة لا أنوي على شيء، وقررت السير نحو كوبري قصر النيل وتأمل النيل والسنكحة في شوارع القاهرة وحيدا، كانت تلك عادة الأيام أسير من قصر العيني إلى سط المدينة وحيدا أو مع أحد الأصدقاء من رفاق الكلية أو الجريدة، وفي وسط البلد نمضي إلى فلفلة لتناول وجبة الأفظار أو الغذاء، أو نصل إلى سينما في وسط البلد لنشاهد أحدث الأفلام التي تعرض في سينما وسط البلد، أتذكر أنني لمدة ثلاث سنوات لم ينزل فيلما جديدا إلا وشاهدته في أسبوعه الأول،
كانت أشجار الكورنيش الكثيفة تقلل من حرارة الصيف وثقل السير في ساعات الظهيرة في وسط البلد، كما كان للنيل سحره الذي يجعلك تنسي الصيف وحرارته، وصلت كوبري قصر النيل وقررت الاتجاه نحو حي الدقي بلا هدف، فلم يكن لي في الدقي هدفا أو مراما، ربما فكرت الذهاب إلى النادي الأهلي لأبحث عن مصدر أو خبر، لا أتذكر ولكن ما أن وصلت إلى منتصف كوبري قصر النيل حتى بدأت أتامل النيل الساري إلى الشمال واستعرضت عيني مباني الكورنيش واستقرت عيني على مبنى الإذاعة والتليفزيون وتسألت بلا سبب ولا دافع سوى استهلاك وقت هذا اليوم
: هذا المبنى الضخم أليس من المفروض أن أكون فيه؟ وإلا لماذا أدرس الإذاعة والتليفزيون؟ وقررت في هذه اللحظة وبلا أي استعداد أن أعود إلى كورنيش النيل والدخول لمبنى ماسبيرو الذي كان عملاقا كأسم وكمبنى، وكان مرعبا للجميع طلاب عمل أو مشاهدين، وقبلت بيني ونفسي التحدي أن أدخل هذا المبني.
لم تتثاقل خطواتي ولم أهاب شيئا ودخلت إلى استعلامات المبنى وبحظو واثقة وكلمات أكثر ثقة طلبت من موظف الاستعلامات أن أدخل إلى القناة الثالثة، كنت أتابع القناة منذ نشأتها منذ ثلاث سنوات، وأتابع مخرجيها ومذيعيها وخاصة برامجها ذات الملمح الدرامي وكانا نجمي هذه النوعية المخرج عاصم بكري الذي كان يقدم برنامجا دراميا أسمه (البداية) وكنت أعرف عاصم من الجامعة وسأحكي قصتي معه في الجامعة في مساحة قادمة، أما الثاني فكان المخرج والمذيع أسامة طه الذي كان يقدم برنامجا أيضا له ملمح درامي أسمه (لحظة صدق) وكانت برامج السهرة مثل ليالي، كرسي العرش، شريط فيديو، في بيتنا نجم تحقق نجاحات كبيرة في ذلك الوقت، أما برامج الخدمات بالقناة وخاصة برنامج ريبوتاج فقد كان موعده في السادسة إلا ربع مقدس عند كل المصريين، وكانت القناة حققت بنزولها الشارع أيام تمرد الأمن المركزي نجاحا مبهرا.
سألني موظف الاستعلامات : معاك تصريح دخول؟ أجبته : لأ.. أجابني : لابد من تصريح أو كلم حد يدخلك.
قلت له : اتصل برئيس القناة.
الغريب أن موظف الاستعلامات (عرفت بعد ذلك أنهم موظفي قطاع الأمن) اتصل برقم في القناة الثالثة أما المفاجاة فأن الرقم كان يخص مدير عام برامج الخدمات والمنوعات ( الأسطورة الإذاعية والتليفزيونية الإدارية) مدحت ذكي وبصوت إذاعي جهوري سألني الرجل الذي كان الجميع في القناة الثالثة يهابونه ويخافون غضبه : أيوه أفندم مين معايا؟
وبثقة غريبة أجبته : فلان الفلاني طالب في ثالثة إعلام واريد أن أتدرب بالقناة الثالثة..
قال : خلاص تعالى ونعمل لك تصريح
أجبته : أنا تحت وعايز أدخل.. الغريب أن مدحت ذكي تحدث مع موظف الأمن وطلب منه أن يدخلني ويصف لي القناة الثالثة في أي درو وأي غرف في هذا المبني العجيب في حلزونيته ومصاعده، وسلالم الصعود فيه، وبعد خمس دقائق كمن أجلس وجها لوجهه مع مدحت ذكي في مكتبه.
لقاء المخيف
صعدت إلى الدور الثامن في مبنى ماسبيرو القديم هذا الدور الذي قضينا فيه ثمان سنوات قبل أن ننتقل إلى المبنى ص في عام 1996، وطلبت الدخول للاستاذ مدحت ذكي وأنا لا أعرفه ولم أكن أسمع اسمه إلا في برامجه الإذاعية مثل همسة عتاب، كتاب عربي علم العالم وكان مخرجا في إذاعة البرنامج العام، ودار الحوار التالي بعد التعارف الأولي خاص الدراسة والعائلة وغيرها،
مدحت ذكي : أنت ليه أخترت القناة الثالثة؟
: بحب برامجها وأتابعها منذ نشأتها، وأريد قناة قريبة من الشارع وتعبر عته
: أيه البرامج اللي بتشوفها وبتجبها؟
: كل برامج القناة أشاهدها
: تحب تشتغل مع مين من المخرجين؟
: بحب برامج عاصم بكري، وأسامة طه..
تغيرت ملامح مدحت ذكي وتضألت أبتسامته وعاد بكرسيه إلى الوراء وكانت هذه من علامات غضبه التي تعلمتها بعد ذلك وقال لي بصوت غاضب : لأ كده طلبك مش عندي..
لم أكن أعرف انقسامات القناة ولا صراع مديرها ولا من تبع من أو خلافات الصراع على رئاسة القناة بينه وبين التليفزيونية عائشة البحراوي رئيس القناة فيما بعد، ونائب رئيس التليفزيون، وقررت التراجع خطوة وقلت له : مش مهم اللي تختاره خضرتك أنا جي اشتغل في القناة وحضرتك أدرى بها.
عاد مدحت وقال لي بصوت واثق : أخرج دور على المخرج على عبدالرحمن وقول له أن جي من طرف الأستاذ مدحت، هتلاقيه واقف بره في الطرقة، الواقع أن مخرجي ومذيعي القناة الثالثة أمضوا عمرهم كلهم وقوفا بالقناة الثالثة وطرقاتها سواء في المبنى القديم العتيق أو في مبنى ص الجديد، فلم تكن لنا في يوم من الأيام مكاتب وغرف مثل التي في الإذاعة أو القناة الأولى والثانية، فكنت تجد أغلبنا في طرقة القناة التي تضم أما أربع غرف أو خمسة منها غرفة واحدة للمخرجين والمعدين والمذيعين ولم تسعنا مطلقا.
خرجت من عند مدحت ذكي أبحث عن أستاذي الجديد في التدريب التليفزيوني على عبد الرحمن والذي عملت معه أكثر من خمس سنوات لمساعد مخرج وكانت أول برامجي كمخرج على كان شريكا فيها حتى انفصلنا في عام 1994 بعد سهرتي الوثائقية عن حرب أكتوبر (سبع سنوات على الجبهة) وبعد ذلك كانت أولى سهراتي منفردا سهرة (على أسم مصر) عن صلاح جاهين، وعدت للأشتراك مع علي في عمل المسحراتي في رمضان عام 1996، والواقع أن علاقتي بعلي عبد الرحمن استمرت منذ ذلك اليوم حتى نهاية علاقتي بماسبيرو، وعلي عبد الرحمن شخصية فريدة تليفزيونيا وإنسانيا وربما أفرد له مساحة فنحن لم نفترق إلا بعد أكثر من ثلاثين عاما من هذا اليوم، ورغم كل ملاخظاتي عليه إلا أن له مكانة في قلبي كبيرة فقد تشاركنا أيام كثيرة فيها أيام جميلة كثيرة جدا وبعضها مؤلم ورغم غيابه عني أكثر من سبع سنوات إلا أني مازلت أدين له بالفضل الكبير كأول من تعاملت معه في ماسبيرو.
خرجت في الطرقة أبجث عن علي عبد الرحمن، وجدته واقفا أمام غرفة المخرجين أشارت لي هناء محمد سكرتيرة مدحت ذكي أنه الواقف هناك، شابا قصيرا لحد ما يميل إلى الأمتلاء ولكنه ليس ضخما، شعر أصفر ولكنه أكرد، أبيض الوجه وربما يكون أشقرا رغم أنه صعيدي من ديروط، مرحا كوميديا، كان يذكرني بنجم الكوميسا محمد هنيدي الغريب أنني كنت أقول له دائما أنه يصلح كممثل وكنت أراه أقرب إلى الساحر أو الأرجوز، فكل موقف يدخله كان يسحر من يقابله، ولا يستطيع أحد أن يفلت من تأثير علي عبد الرحمن وزيرا كان أو غفيرا.
: حضرتك الأستاذ على عبد الرحمن ؟ سألته
: نعم تحت أمرك
: انا جي من عند الاستا مدحت قالي أبلغك أني عايز أتدرب معاك
نظر علي لي قليلا وفكر قليلا : أنت مين وعايز تشتغل ولا أجي تدلع؟
لم أفهم السؤال جيدا (فهمت بعد ذلك) : أنا فلان طالب في كذا، وعايز أتدرب
: عايز تدرب ولا جي تدلع ولا هاتقعد في البيت وأسمك ينزل على الشاشة؟
: لا طبعا عايز أتدرب واشتغل بجد
: طيب معاك ورق وقلم .. زبدا علي يملي عليا برامجه التي يقوم بإخراجها منها شريط فيديو، فن ولعب مع المذيعة أيناس عبد الله، زمان ياجدو مع شافكي المنيري، وريبوتارج، ومسافر زاده الخيال الذي كان يخرجه الأستاذ مدحت ذكي وينفذه له أغلب مخرجي القناة الثالثة، كتبت هذه البرامج ومواعيد تصويرها ومونتاجها وكانت تشغل كل أيام الأسبوع.
الغريب أن علي كان علي موعد مع حلقته الأسبوعية في برنامج (ريبوتاج) وكان على موعد مع إذاعته فنزلت معه في ذلك اليوم إلى الدور الثاني قام بعمل المونتاج للحلقة، وعرفني على المونتير الذي يعمل معه في فيديو 4، ثم اشار لي أن أذهب إلى كبائن الرقابة و أحصل على تقرير الرقابة بعد مشاهدة الحلقة من قبل الرقيب، ثم أعود له بالقناة الثالثة، عدت له فطلب مني بياناتي لاستخراج أول تصريح اي في مبنى التليفزيون، ثم طلب مني النزول إلى الدور السادس حيث غرفة كتابة الخطوط، وأن أكتب أسماء فريق العمل ومن ضمنها أسمي وكنت قد قررت أن يكون أسمي (علي حسنين) أعتزازا بوالدي وأسمي وهو الأسم الذي كنت أنشر به في الصحافة لمحرر رياضي في صوت العرب، أنهيت كتابة الأسماء وصعدت إلى الدور الثامن مرة أخرى وكان تصريح دخولي مبنى ماسبيرو قد تم عن طريق السكرتارية وبدأ مشواري في ماسبيرو الذي استمر ثلاثين عاما وثلاثة أشهر إلا عشر أيام وكانت أول مهمة لي في الأستوديو أم أقوم بمهمة تغيير تترات البرنامج (أسماء العاملين) على الهواء مباشرة أي أن يدك هي التي كانت تغير الأسماء وكانت مهمة صعبة جدا، وكم من مرة في الأشهر الأولى أهتزت يدي ووقعت مني لوحة من لوحات الأسماء، وكان هذا يمثل رعبا للمخرج الذي يعلو صوته، ولي فقد كانت أشعر بالرعب أن يدي تدخل بيوت الناس وأخشى الخطأ أي خطأ مهما صغر، فلم تكن الأيام بسهولة كما هي الآن.

تعليقات
إرسال تعليق
أترك تعليق