سلالم لا تعرفها ولا تنتهي
حينما تدخل إلى المبنى العريق الذي يقطن على ضفاف نيل القاهرة تتحول أيامك إلى متاهة كبيرة في دهاليزه فلم يعرف الإنسان فيه من أين يبدأ وإلى أين ينتهي، يكفى أن تدرك أنك لن تدرك عدد مصاعده ومدارجه سوى بعد أيام طويلة وليالي أكثر، وقد كانت أكثر سمات السنوات التي دخلت فيها إلى هذا المبنى أنها تعلم أبناءه كيف يدركون مخابئه التي لا تحصى، بل يمكننى القول أن الكثير من الذين دخلوه وعاشوا فيه لم يتعرفوا بعد سنوات طويلة على تلك المخابئ.
أتذكر أنني كنت يوما في نقاش مع وزير الأعلام المصري أنس الفقي في السنوات الست قبل ثورة يناير (قلت من قبل أنه ربطتني بأنس محبة لا تزال قائمة رغم سنوات طويلة من البعد) وكانت مناقشاتنا في بعض الأحيان حاده، كنت استعرض معه بعض أزمات المبنى التي بدأت بخطة التطوير التي وضعها مع المهندس أسامة الشيخ وفريقه الذي جاء لماسبيرو معه، وهذه الخطة التي كان الاعتراض عليها سببا في التعارف الذي تم بيني وبنيه، رغم أن أحد مستشاريه المقربين كان من أعز الأصدقاء، المهم يوم ما قلت للوزير : هل تعرف عدد سلالم ومصاعد هذا المبنى.
وصمت الوزير فما من وزير ولا رئيس أتحاد جاء من خارجه إلا وكان لا يعرف أجابة هذا السؤال،
وقلت للوزير: عندما تريد أن تعين قيادة في هذا المبنى أساله هذا السؤال أن أجاب أعرف أنك قد اخترت الرجل الصحيح.
وبما أن الشيء بالشيء يذكر أتذكر أنني دخلت عدة اختبارات في ماسبيرو بعد تخرجي من الكلية ليتم تعيني الذي تأخر كثيرا فقد تم تعيني بعد خمس سنوات من دخولي ماسبيرو، وثلاث سنوات من أنتهائي من الخدمة العسكرية (تلك حكاية أخرى) أذكر في أحد الاختبارات وكانت لحنة الاختبار أحمد سمير، عبد السلام خليل، ورئيس قطاع الهندسة الإذاعية وربما كان هناك أيضا مدير في قطاع الامن ( أصبحت حالة دائمة بعد بداية الألفية) المهم تسألت اللجنة في كل شيء من مساحة الاستوديوهات إلى أماكن المكتبات، ومن عدد أدوار المبنى إلى كشافات الإضاءة في الاستويوهات، أنهيت الاختبار وعند خروجي سمعت أحدهم يقول : ده حافظ بلاط المبنى .. مش بيعينوه ليه؟
اطلقت ضحكة ساخرة وأنا خارج من الاستوديو مكان الاختبار ازعجت كل الممتتحنين بعدي، وسألني أحدهم وهو متوتر جدا : علام تضحك؟
قلت : لاشيء
الغريب أنني رسبت في الاختبار ولم يتم تعيني في هذه المسابقة فقد كنت أعرف عدد بلاط الاستوديو وعدد سلالمه وكم عدد لمبات الإضاءة في الاستوديو (غير مطلوب)
جيل يعلم الصحيح
وقد اسعد الجيل القديم في ماسبيرو حينما وجدوا من يقسو عليهم ليعلمهم الكثير، بل كان الأثر الأكبر أن تتعلم كيف تحب هذا المبنى بأدواره وسراديبه التي لا تنتهي، الغريب أنك في أيامك وسنواتك الأولى قد تجد صعوبة في معرفة من أي سلم صعدت؟ ومن أيهم هبطت؟ وانت عائد من مشوارك الذي كنت فيه منذ دقائق، الآن وبعد رحلة طويلة لا أدري عدد سلالم مبنى ماسبيرو تحديدا، بل هناك أدوارا كثيرة وغرف أكثر لم تمر عليها أقدامنا، وخاصة في السنوات الأولى التي كان معلمينا فيها من المخرجين الكبار والمديرين يطلبون منا إلا نستخدم المصاعد بل السلالم فكنا نحمل الكثي من شرائط البرامج والأعمال الدرامية (وما أدراكم حجم هذه الشرائط) لنهبط بها أو نصعد على أقدامنا، لم نكن نعتقد في تلك الأوقات المغزى الذي يريدون أيصاله إلينا، أدركت بعد سنوات أنهم يعلموننا حب المكان وسراديبه وكذلك أسرار وتاريخه.
كان الايام الأولى في ماسبيرو متاهة وغرق، قد شدنا ماسبيرو إلى الدخول في متاهته لا تدرك أهو ليلا أو نهارا، صباحا هو أو مساءا، ذلك أنت كنت تريد أن تعرف وتتعلم وتتدرب ثم أن تعشق طرقات وغرف هذا المبنى فيصبح جزاء من عقلك ووجدانك، وقد أغرقني القصير المكير علي عبد الرحمن في متاهات عمله منذ الأسبوع الأول لعملي معه، كان علي عبد الرحمن لا يهدأ في تلك الأيام حتى تظن أنه يقوم بإخراج كل الأعمال سواء في داخل المبنى أو خارجه، وبلا شك أنه مخرج برامجي متميز، وكان أهم ما يميزه أنه إدراجي فريد، فكان كل شيء لديه مسجل في نوتة صغيرة/ مواعيد التصوير، المونتاج، الرقابة، الإذاعة،أرقام شرائطه وعددها، مواعيد أستلامها، استمارة الاستلام، مواعيده خارج المبنى مع منتجين، في وزرات، في مصالح حكومية، كل شيء لديه مدون تلك الميزة التي أظنها لم تغب عنه حتى الآن، وأظن أن الشيء الوحيد الذي لم ينجح في تعليمه لي هو تلك الميزة الهامة جدا، وبلا شك أن علي عبد الرحمن من المخرجين الذين يعرفون أدواته كمخرج وكيف يوظفها لتحقيق ما يريد، علي وأن كان يمتلك أدوات المخرج المتميز إلا أنه كان يوظف تلك الأدوات فيما يحقق أهدافه وغايته، لم يكن يريد أن يصبح مخرجا عبقريا أو يضع بصمته في أعمال له يقال أنها فكرية أو ثقافية أو تأثير فني بعده وكنت أراه يتعامل بمنطق المخرج الشرعي، يشاركه في ذلك القصير الواضح عصام الأمير.
عصام الأمير الإداري الصغير
بدأت منذ اليوم الأول في العمل الجاد وعندما اكتشف على عبد الرحمن ذلك حملني أعباء كثيرة، لم يكن يجد عملا ليحملني أياه حتى يضعه فوق كتفي وفي هذا بعضا من تخفيف أحمال كان يريدها لينطلق إلى عالمه المفضل، عالم البيزنس، هذا عالم علي المفضل، وكما قلت كان يجيد ذلك بشكل مذهل، على النقيضمن علي كان عصام الأمير، وكانا علي وعصام كأنهم تؤامان ولكنهم على النقيض في الأحلام والتطلعات، عصام الأمير أيضا يناقض على في الملامح قصير نعم، ولكنه نحيف جدا لدرجة أنك تشعر وكأنك تعصره حين تعانقه، يميل إلى اللون القمحي ما بين لمحة بياض قليلة ولمحة سمار قليلا أيضا، مخرج واحد من أهم برامج القناة في ذلك الوقت نجوم على العرش الذي تحول بعد ذلك إلى عالم الشهرة، وهذان البرمجان أعتقد أنهم يضم في أرشيفهم حوارات لأهم نجوم مصر في الثمانينات والتسعينات في الفنون والموسيقى، مكتبة صنعها الأمير لعالم مصر الفني، وكان عصام يشارك علي في موضوع المخرج التليفزيوني كما ينبغي، إلا إذا أراد أن يقدم عمل ما في دوارته الأكاديمية التدريبية، وبالتاكيد كلاهما كانا يمتلكا قدرة تقديم أعمال نعتبرها نحن الباحثين عن شكل أقرب إلى السينما والدراما ولكنهما لم يحاولا ذلك، فعصام الذي عرفني به علي في أول أيامي كتؤام له كان الإدراجي الأول في القناة الثالثة بعد مدحت ذكي، ويبدو ان مدحت ذكي أكتشف ذلك مبكرا فكان يضع عصام الأمير على يمنيه وكأنه ياروه وكاتب وكاتم أسراره الاول، كان مدحت ذكي الرجل المهيب بطوله وحجمه وخطوته يجيد أكتشاف أبنائه ويعرف كيف يضع كل واحد منهم في مكانه، وقد أردك الرجل قدرات عصام منذ أيامه الأولى على تعارفهم.
كان مدحت رغم شخصيته القوية التي تجعله مهابا من الجميع يعتبر كل أبناء القناة الثالثة مكانة الأبناء، ولكن كان لعصام مكانته الخاصة التي لا يقترب منه أحد وبعده كان يأتي علي عبد الرحمن، على مساعده ومنفذ برامجه الأول والمدلل له، وعصام من يجهزه لخلافته كمدير وأدراجي ناجح، وقد كان مدحت من هؤلاء بإمتياز، أظن تلك الميزات في مدحت ذكي كان من تراثه الإذاعي، فقد تشرفت بمعرفة الكثير من الكبار من أبناء الإذاعة وجدت فيهم الأبوة وأعتزازهم بتعليم وتريبة كوادر لهم منهم الكبير العملاق جلال معوض، عبد الوهاب قتاية، محمد الخولي، وكذلك كانوا يكتشفون الذين أمامهم وقدراتهم بسلاسة كبيرة.
اتذكر في عام 1989 كان هناك حادثة كبيرة في القناة الثالثة، بينما كان عصام الأمير يقف أمام ماسبيرو وأثناء تبديل دوريات الحراسة خاصة الداخلية أمام المبنى تعرض له أحد الضباط الشباب فلم يكن يعرفه ربما وكان الجميع في ذلك الوقت في بدايته، ويبدو أن الضابط أراد استعرضا يليق بنزق البدلة الرسمية وزهوها، فقام بالتعرض لعصام وحدثت مشادة تطاول فيها الضابط كثيرا(لم أحضر الواقعة ولكني حكيت لي في ذلك المساءفي منزل عصام في شبرا) وحدثت مشادات قام على أثرها عصام بترك مهمته وذهب إلى منزله حسب ما أتذكر من الواقعة.
مدحت ذكي المعلم الديكتاتور
الجيد هنا كان في موقف مدحت ذكي الذي أعلن أن الاعتداء تم على الوزارة كلها وعلى كل الإعلاميين، وهدد بعدم بث البرامج حتى تعتذر الداخلية ويعود عصام الأمير إلى ماسبيرو بعد أن تم أرضاءه (على ما أتذكر) وتضامنت القناة الثالثة كاها مع عصام الأمير فقد كان عماد القناة هم دفعات أعلام 1983،1984، 1985 التي هي دفعة عصام الأميرن وكذلك فأن هذا الضيق في مساحة القناة الثالثة يجعلنا جميعا نشعر أننا أسرة واحدة طبعا كان هذا في زمن كانت الأحلام بسيطة (النجاح) والصراعات صفرا لا صراعات، والتنافس أخفاه هذا الرجل مدحت ذكي بجعل الكل فريقا واحد يتشارك الأعمال، ولم يعد عصام إلا بعد ذهاب مساعد وزير الداخلية الأول إلى منزله في أحد شوارع شبرا الضيقة، وتم معاقبة الضابط الذي حاول التباهي بزيه الرسمي! وكان مدخت ذلك طوال تلك الساعات يصرخ : أنه أبني ولا أفرط فيه.
أول أنطباع لدي عن عصام الأنسان كان ممتازا ولا يزال هو بالنسبة لي كذلك ولي معه مشوار طويلا ليس كمخرج فلم أعمل معه أبدا، ولكن كإداري ناجح وكأنسان أحببته كثيرا! وكان أنطباعي الفني أنه يستطيع أن يقدم اكثر ولكن لا يريد، أما الإنطباع الرئيسي فكان عصام الإداري الناجح، أكتشفت ذلك منذ رأيته يجلس على يمين مدحت ذلك يدون أجتماعاته معنا التي كانت تمتد سبع ساعات في غرفته بالقناة الثالثة، غرفة ضيقة جدا تكاد تكون خمسة أمتار في خمسة أمتار يجلس مدحت على مكتبه الذي يقتنص ربعها، والإعلامية عائشة البحراوي على الطرف الثاني منها تأخذ ربعها، لكن في أجتماعات مدحت ذكي الممتدة تترك لنا البحراوي الغرفة ليمارس علينا مدحت ذكي أكاديميته وتسلطه وديكتاتوريته (هكذا كنت أظن في تلك الفترة أنظر لذلك الآن أنني كنت مراهق فكريا) تخيل أنت ما لا يقل عن سبعين أعلاميا يجلسون ويقفون ويجلسون على أرض هذه الغرفة، ومدحت ذكي يحلل كل ما يحدث على شاشته من الواحدة ظهرا حتى السابعة أو الثامنه مساءا وغير مسموح لأحد الأعتذار أو حتى الخروج حتى ينتهي، يقرأ كل لقطة، يفند كل جملة، يعدل معايير وسياسات قد تنزلق إلى أماكن لا تريدها السياسة، وفي ذلك يشرح ويعلم ويقدم كثيرا مما قرأ في الإعلام والسياسية والأدب أيضا، رجال تلك المرجلة من جيل الإذاعيين الكبار كانوا من هذه النوعية التي تقرا وتتعلم لتعلم من بعد.

تعليقات
إرسال تعليق
أترك تعليق