إحصائياً، مصر هي الدولة الوحيدة في العالم التي قامت فيها خمس ثورات في فترة زمنية لا تتجاوز مئة وثلاثين سنة؛ بمتوسط ثورة واحدة كلَّ خمس وعشرين سنة (1881- 2013).. معظم الدول التي حدثت بها ثورات، أو انتفاضات شعبية أدَّت إلى تغيير نظام الحكم، حدث لها فترات استقرار طويلة تتراوح مدَّتها بين خمسين إلى مئة عام، أتاحت لها بناء نظم جديدة أكثر تماسكاً، قبل أن تثور وتنتفض مرة أخرى (على سبيل المثال، فرنسا بعد 1871، وروسيا بعد 1917، والصين بعد 1949).. في مصر، الفترات البينية أقصر من هذا بكثير، وقد تصل إلى عامين! قامت ثورة عرابي (1881)، ثم ثورة 1919، ثم ثورة يوليو 1952، ثم ثورة 25 يناير 2011، وأخيراً ثورة 30 يونيو 2013.. ثورة يوليو هي أكثرها استقراراً، لو استبعدنا ما تم تسميته بثورة التصحيح التي قادها الرئيس السادات (مايو 1971).. هذه الثورات، على ما تشير إليه من حراك وحيوية، فإنَّها تدل على فشل ذريع لها جميعاً؛ إذ لم تحقق أيٌّ منها الأهداف التي قامت من أجلها، ولم تغيِّر الأسباب التي أدَّت إليها، فكانت أشبه بهبَّات جماعية مؤقَّتة، وانتفاضات عاطفية لحظية، وكأنَّها "شقشقة هدرت ثم قرَّت" بتعبير الإمام عليّ، أو نتيجة تغير في "هرمونات" الشعب بتعبير بعض الفيسبوكيين! ويظل القوس مفتوحاً ما لم نمنع الأسباب المؤدِّية إليها، ونحقق المطالب التي دعت إليها!
الأسباب التي دعت إلى قيام الثورات الخمسة مختلفة، والأسباب التي أدَّت إلى فشلها واحدة، وهذه هي أحد أوجه الغرابة، كلُّ الطرق التي تؤدِّي إلى روما، أدَّت إلى فشل هذه الثورات.. وكلُّ الثورات وصلت إلى نتيجة واحدة محتَّمة؛ وهي الفشل. فشلت هذه الثورات في الانتقال من الدولة السلطوية الاستبدادية إلى الدولة المؤسسية الديمقراطية.. ورغم تجدد الثورات، فإنَّها لا تجدد النظام المنبثق عنها، إذ تعود إلى الارتماء في حضن الدولة المركزية السلطوية، وتعيد إنتاج الاستبداد في شكل آخر، وشعارها الدائم المستقر: "ما أحلى الرجوع إليه"! لذلك، ليس هناك أمل في المجال الثوري؛ فجلُّ ما تقوم به هو تغيير الوجوه دون تغيير السياسات، وتغيير الأسماء دون تغيير القناعات.. والأدهى، أنَّ النتائج التي تعود على المواطن الثائر عادة ما تكون أكثر سلبية من الظروف التي ثار عليها.. وفي الغالب، يحدث "ندم جماعي" على القيام بفعل الثورة، ويتم الترحُّم على الأيام الخوالي، وعلى "الزمن الجميل" الغابر.. ورغم ذلك، يظلُّ الأمل في تحسن الأحوال، وتغيرها نحو الأفضل هو العامل المستمر المؤدّي إلى تكرار الثورات، رغم فشلها في تحقيق الغايات..
ثورات وهبَّات وانتفاضات
الأسباب التي دعت إلى قيام الثورة العرابية (1881-1882)، (أو "هوجة عرابي" بتعبير خصومها، و"حركة الجيش المصري" بتعبير مؤيِّديها) تمثَّلت أساساً في تحقيق العدالة داخل الجيش، وإلغاء التمييز في الخدمة العسكرية، وإنهاء النفوذ الأجنبي، وإقامة دستور عادل، وتمكين المصريين من إدارة دولتهم.. ولم تنجح الثورة في تحقيق أي منها، (وعلى حدِّ تعبير شوقي: صغار في الذهاب وفي الإياب.. أهذا كلُّ عهدك يا عرابي؟)، بل إنَّها أدَّت إلى احتلال بريطانيا لمصر (1882)، وانتهت بانقسام داخلي، وبنفي قادتها خارج البلاد، وفشلت في إقامة نظام دستوري دائم.. وإن كانت الثورة وحَّدت مؤقَّتاً بين الجيش وبعض فئات الشعب حول فكرة "مصر للمصريين".. الأسباب الرئيسة لفشل "ثورة عرابي" تمثَّلت في غياب التنظيم والبرنامج السياسي الواضح، إذ ركَّزت على المطالب العسكرية (حقوق الضباط) أكثر من إصلاح النظام ككلٍّ، وكذلك، فقد كان هناك انفصال واضح بين الثورة والنخبة المدنية، إذ لم تنجح الثورة في كسب الطبقة العليا (الباشوات)، أو الطبقة الوسطى الناشئة.. إضافة إلى سوء إدارة الصراع، وافتقار عرابي للخبرة السياسية والعسكرية الكافية، الأمر الذي أدَّى إلى هزيمته السريعة في التل الكبير.. وكان التدخل البريطاني المباشر والذي انتهي بالاحتلال هو العامل الحاسم في هذا الموضوع.. النجاح الأكبر لثورة عرابي هو أنَّها حرَّكت المياه الراكدة في بحيرة السياسة المصرية الآسنة، وخلقت جيلاً كان له دوره المؤثر والمشهود في ثورة 1919.
الأهداف الرئيسة التي قامت من أجلها ثورة 1919، كانت تحقيق الاستقلال التام عن بريطانيا، والدستور، والوحدة الوطنية، والحرية السياسية.. وفشلت الثورة في تحقيق معظم أهدافها؛ إذ بقي الاحتلال البريطاني فعلياً حتى يونيو 1956، وظلَّ الملك يسيطر على مقاليد السلطة بقوة متحدِّياً الدستور، ولم تتحقَّق العدالة الاجتماعية أو التنمية الاقتصادية، وتحوَّلت التجربة الليبرالية إلى صراعات حزبية شكليَّة.. ما حققته الثورة من أهداف تمثَّل في صدور دستور 1923 وتأسيس نظام نيابي، وإعلان استقلال مصر رسمياً عام 1922 (استقلال اسمي).. ونشوء طبقة سياسية مدنية حديثة شكَّلت جوهر التجربة الليبرالية في مصر (1924- 1936). الأسباب التي أدَّت إلى فشل ثورة 1919 عديدة، أبرزها الطابع النخبوي، إذ قادتها الطبقة الوسطى العليا دون إشراك فعلي للطبقات الفقيرة، والاستعمار البريطاني المتجذِّر والمُسيطِر على كافة مفاصل البلاد، وسيطرة بريطانيا على القرار السياسي والاقتصادي في مصر رغم وجود الملك.. يضاف إلى ذلك، وجود ثلاثة أضلاع للحكم في مصر (الملك، الوفد، الإنجليز)، والتعارض بينها، وانقسامها، مما جعل الحكم النيابي هشَّاً..
جاءت ثورة يوليو 1952 بأهداف سبعة تم إعلانها في بيان الثورة: القضاء على الاستعمار وأعوانه، القضاء على الإقطاع، القضاء على سيطرة رأس المال، إقامة حياة ديمقراطية سليمة، إقامة جيش وطني قوي، تحقيق العدالة الاجتماعية.. نجحت الثورة في إجلاء القوات الإنجليزية عن مصر (1954- 1956)، وتم إصدار قانون الإصلاح الزراعي وتقليص نفوذ الإقطاع (حسب تسميتها له) (1952)، وبرزت مصر كقوة إقليمية وقائدة لحركات التحرر العربي والإفريقي.. غير أنَّها فشلت في تحقيق الديمقراطية؛ إذ ألغيت الأحزاب، وأنشئ نظام الحزب الواحد.. وأدَّى التأميم والبيروقراطية إلى فساد إداري واقتصادي.. ومُنيت مصر بعدة هزائم عسكرية كبرى (1956، حرب اليمن، 1967)، وكشفت هذه الهزائم فشل النظام العسكري المغلق.. وانتهت الثورة بنظام سلطوي لا يختلف في بنيته عن الملكية إن لم يكن أشدَّ قسوة وتنكيلاً.. أسباب فشل الثورة تتمثَّل في احتكار السلطة من قبل الجيش، وغياب آليات تصحيح المسار، مع تركّز السلطة بيد فرد واحد، فتحوَّلت الثورة إلى نظام سلطوي.. ورغم العدالة الاجتماعية، أدَّى التوسع البيروقراطي والتأميم إلى ضعف الكفاءة، وإلى ضعف الاقتصاد على المدى الطويل.. وكشفت الهزيمة العسكرية المروِّعة في 1967، زيف الخطاب القومي، وعرَّت هشاشة النظام، ولا نزال نعاني من نتائج النكسة وتبعاتها حتى الآن.
قامت ثورة 25 يناير 2011 لأهداف ثلاثة، تم إعلانها في الشعار: "عيش، حرية، عدالة اجتماعية"، وأضيف إليها هدف رابع: "كرامة إنسانية".. نجحت الثورة في إسقاط نظام مبارك بعد 30 عاماً من الحكم، وتم إجراء أول انتخابات رئاسية حرة (نسبياً) في تاريخ مصر الحديث (2012).. وفشلت الثورة في تقديم رؤية واضحة لعمليات التحوّل (الانتقال) الديمقراطي، وأدَّت إلى صراع القوى الثورية (الإسلامية والمدنية) نتيجة غياب قيادة موحَّدة لها، وأدَّت إلى سيطرة جماعة الإخوان المسلمين على البرلمان وعلى الرئاسة وعلى مفاصل الحياة السياسية في مصر.. ولم تحقِّق الثورة أيّاً من أهدافها المعلنة، وعلى العكس ساءت أحوال المصريين في المجالات الأربعة.. أسباب فشل الثورة تمثَّلت في غياب القيادة الموحَّدة، وعدم وجود رؤية واضحة لليوم التالي للثورة، وغياب خريطة واضحة للطريق.. إضافة إلى صراع القوى المدنية والإسلامية، وحدوث الاستقطاب الأكبر في تاريخ مصر الحديث بينها (المدنيين مقابل الإسلاميين!)، وسوء إدارة المرحلة الانتقالية من خلال المجلس العسكري، وحدوث تدخُّلات مؤثِّرة من بعض الدول الخارجية لدعم تيار معين، أو لفرض سيناريو محدد..
وأخيراً، فقد جاءت ثورة 30 يونيو 2013، لتحقيق عدة أهداف، وفق بيانات حركة تمرد، وهي تصحيح مسار ثورة يناير، وإنهاء حكم الإخوان، وتحقيق الاستقرار، وخفض الأسعار، وتحسين مستوى معيشة الناس، وبناء دولة مدنية حديثة.. ولقد نجحت الثورة في إسقاط حكم الإخوان المسلمين، وصياغة دستور جديد (2014)، وعودة الدولة القوية، والمؤسسات الأمنية الموحَّدة.. في المقابل، فشلت الثورة في تحقيق عديد من الأهداف، إذ لم تُستَكمل مسيرة التحول الديمقراطي، وعادت الدولة السلطوية بأشدِّ صورها، وتراجعت الحرّيات العامة والإعلامية، وغابت العدالة الاجتماعية، والشفافية الاقتصادية، وارتفعت الأسعار، وزاد التضخم، ووصلت الديون إلى أرقام غير مسبوقة، وتم تجميد المجال السياسي المحلي بالكامل... أسباب عدم فعالية الثورة حتى الآن (ولا نقول فشلها؛ إذ لا تزال الفرصة قائمة لتحقيق أهدافها) تمثَّلت في فرض الاستقرار على حساب الحرية، واستعادة الدولة السلطوية لقوتها، وإقصاء القوى السياسية المؤيِّدة منها والمعارضة لها، وتقييد المجال العام وتجفيفه وتجريفه، وإغلاق مسار المشاركة الإيجابية نهائياً، وغياب مشروع وطني جامع؛ إذ تحوَّلت إلى ثورة بلا مضمون سوى "رفض الآخر"، و"شيطنة المعارضين"، دون بناء نظام جديد..
الأسباب المشتركة لفشل الثورات المصرية:
أولاً: غياب ثقافة الديمقراطية، والمؤسسات الداعمة لها، والبنية التحتية المؤهِّلة لها: لم تمتلك أيُّ ثورة منها بنية تحتية ديمقراطية قوية (أحزاب، نقابات، جماعات مصالح، مجتمع مدني...) تحمي مكتسباتها، وتترجم شعاراتها إلى سياسات مستقرة.. استطاعت هذه الثورات تغيير نظم حكم (ظالمة ومستبدة)، واستبدلتها بأخرى أشدَّ ظلماً واستبداداً، واستبدلت أشخاصاً دون تغيير أو تبديل في السياسات.. ترجع الثورات في كلِّ مرة بخُفيّ حنين، وترضى من الغنيمة بمجرد الإياب.. قواعد اللعبة السابقة على كلِّ ثورة هي نفسها التي تعقبها.. حتى الطبقات التي يتم الثورة عليها، تختفي مؤقَّتاً، ثم تظهر، وتخرج لسانها للجميع، بعد فشل الثورة.. يمكننا ملاحظة ذلك مؤخراً في "فلول الحزب الوطني" ورجال الأعمال بعد عودتهم بنفس أسمائهم، وصورهم، في شكل أحزاب جديدة بنفس السياسات، ونفس التوجهات.. فكرة الاختفاء التام والنهائي بعد الهزيمة، والاعتزال بعد الثورة غير قائمة في مصر..
ثانياً: ضعف الوعي السياسي والتنظيم الشعبي: إنَّ فكرة الثورة، رغم تكرارها في مصر، هي فكرة غريبة، ولقيطة، ومن السهل إنكار نسبها، والتخلص منها.. وفي كلِّ هذه الأفعال الثورية، أصيب المصريون سريعاً بالإرهاق الثوري، ما جعلهم يتخلَّون سريعاً عن تحقيق أهدافهم من الثورة.. إضافة إلى ذلك، فإنَّ الانتقال من طور "الثورة" إلى طور "الدولة المدنية" يتطلَّب وعياً مدنياً وتنظيمياً، وهو وعي ضعيف وهش ومتأرجح عبر تاريخ مصر الحديث لدى المصريين.. ضعف الوعي السياسي الشعبي، وتغليب الشعارات العاطفية على البرامج الواقعية، وضعف الثقافة السياسية، كلُّ ذلك أدَّى إلى فشل الثورات المصرية.. صرَّح السيد عمر سليمان أثناء ثورة يناير 2011، بأنَّ مصر "غير مهيئة للديمقراطية"، وهي مقولة صحيحة إلى حدٍّ كبير!
ثالثاً: شخصنة القيادة، واعتمادها على الزعيم الفرد، والتخلُّص من أي منافس له: على الرغم من أنَّ الثورة عمل جماعي، فإنَّها عادة ما تُنسَب إلى شخص (الزعيم، المُنقِذ، المُخَلِّص...)، ويختص بمميزاتها فرد، و"تقتل الثورة أولادها"، ويتم القضاء على أي منافس لهذا الشخص ولذلك الفرد.. بعد ثورة 1919، رُفِعَ شعار "الاحتلال على يد سعد أفضل من الاستقلال على يد عدلي"، في إشارة إلى المنافسة المحتدمة بين رفيقي الكفاح وزملاء الثورة: سعد زغلول وعدلي يكن.. الصورة الثورية لا تحتمل وجود شخصين داخل إطار واحد.. كذلك كان الصراع بين الصديقين قبل أن يتحولا إلى عدوين: مصطفى النحاس ومكرم عبيد.. الأمر نفسه في ثورة 1952، حيث تم التخلص من كلِّ المشاركين في الثورة لصالح الرئيس جمال عبد الناصر، الذي احتكر الثورة لصالحه، وقصرها على نفسه؛ فهو البطل الذي لا شريك له، وهو ما أدَّى إلى نكساته الخالدة... هذه الشخصنة للثورة ولقيادتها، أدَّى إلى تحوّل المشروعات التي تقوم عليها الثورة إلى "مشروعات شخصية" بدلاً من أن تكون "مشروعات قومية"، وعادة ما تنهار هذه المشروعات بزوال الزعيم أو باختفائه..
رابعاً: غياب المشروع الاقتصادي والاجتماعي المتكامل: لم تضع أي ثورة من الثورات الخمسة خطة واضحة ومستدامة لإصلاح الاقتصاد، أو لإعادة توزيع الثروة بعد انتهاء الحماس الثوري، واستقرار الشعب.. لم يكن لأي ثورة "برنامج عمل تطبيقي" يترجم الشعارات التي رفعتها، أو الأهداف التي قامت من أجلها.. إدارة الثورة "باليومية" هو النمط الغالب في اليوم الأول التالي لنجاح الثورة.. لا يتوقع الثائرون نجاح ثورتهم، فلا يضعون خططاً مسبقة لما سيتم تغييره.. يأخذهم الحماس والعواطف الملتهبة بعيداً عن الخطط التنفيذية العقلانية.. ولأنَّه لا توجد أحزاب حقيقية، أو نقابات لها توجهات سياسية، أو جماعات مصالح لها أجندتها السياسية الواقعية، فإنَّ الثورة لا تحقق شيئاً، ولا تعكس مشروعاً متكاملاً يمكن تنفيذه.. في أعقاب ثورة 2011، فوجئ الإخوان بأنَّ السلطة أصبحت في يدهم، دون أن يكونوا جاهزين لهذا اليوم، رغم ادعائهم ثمانية عقود بأنَّهم يعملون لهذه اللحظة، وكانت النتيجة ارتباكاً واضحاً، ومشروعاً تم تسويقه باسم "النهضة"، وكان أقرب إلى "الوهم"، أو إلى "الفنكوش" الكبير.
خامساً: تدخل القوى الأجنبية، وممارسة الضغط على أطراف العملية السياسية وعلى الثوار: كانت مصر، ولا تزال، جزءاً من صراع دولي على النفوذ في الشرق الأوسط، ولهذا، تعرضت الثورات للضغط أو الإجهاض الخارجي، وفي بعض الأحيان تتلقى المساعدة، ليس تأييداً لها، ولكن معارضة ومكيدة للطرف الآخر.. كانت مصر دائماً تحت ضغط خارجي يؤثر في مسار ثوراتها.. في ثورات 1881، و1919، و1952، كانت بريطانيا مؤثرة سلباً، وعرقلت مسار هذه الثورات.. في ثورة 1952 كان للتأييد الأمريكي دوره في نجاح الثورة في سنواتها الأولى.. في ثورتي 25 يناير، و30 يونيو، كانت للقوى الخليجية، ولرأس المال الخليجي أثره المباشر في هذه الثورات..
سادساً: التحالف المؤقَّت بين قوى متناقضة، والفشل في بناء تحالفات مستقرة: جمعت الثورات المصرية غالباً بين فئات ذات مصالح متضاربة ومتعارضة، من منطق "عدو عدوي صديقي".. عند الثورة قد يجمع الله الشتيتين، بعدما يظنان كلَّ الظن ألا تلاقيا.. في الثورات المصرية، اتحد المدنيون مع العسكريين، والليبراليون (العلمانيون) مع الإسلاميين، والفلاحون مع البرجوازية الصاعدة.. اجتمع النقيضان في لحظة الثورة، وكان لزاماً انفراط العقد سريعاً بعد الفعل الثوري.. وقد يكون ذلك بسبب التنافس على "غنائم" الثورة، أو اقتسام المناصب.. فشل النخب الثورية في إدارة الخلافات الداخلية أو بناء تحالفات مستقرة، أدَّى إلى الفشل المتكرِّر للثورات المصرية..
سابعاً: توظيف الإعلام، والدين، والفن، والقوة الناعمة في تبرير الاستبداد بعد كلِّ ثورة: في مصر، يتم توظيف وسائل الإعلام، وأدوات القوة الناعمة في غير ما خُلِقت له.. تقوم هذه الأدوات بالترويج المباشر للاستبداد، وتساند الرئيس المُتغلِّب والمُتمكِّن، بغض النظر عن شرعية حكمه، وعن مشروعية قراراته.. هذه الوسائل سبب أساسي من أسباب فشل الثورات، ومعوّل من معاول هدم قوتها الثورية، من خلال تشويه فعل الثورة، وتشويه الثوار، وتمجيد سيرة الحكام المستبدين..
ثامناً: هيمنة الأجهزة الأمنية على المجال السياسي، والاستمرار في نمط الدولة المركزية السلطوية: رغم الثورات، ورغم التقلبات العديدة، فقد بقيت الدولة على نموذجها القديم: بيروقراطية مركزية، وأمنية، تحتكر السلطة والموارد، إلى الحدِّ الذي بالغ فيه البعض بالقول: إنَّ الثورات لا تحدث إلَّا بأمر هذه الأجهزة، والمؤسسات، وتحت إشرافها، وتحكمها الكامل!
تاسعاً: ظاهرة "لصوص الثورات في مصر": وهم أشبه بحفاري القبور، و"أثرياء الحرب".. أناس يقفزون على الثورة في محاولة للتكسب من خلالها.. فعلها الإخوان في ثورة 25 يناير.. وفعلها بعض المنتسبين إلى ثورة 30 يونيو.. وعلى حدِّ تعبير "تشي جيفارا": "الثورة يصنعها الشرفاء، ويقودها الشجعان، ثم يسرقها الجبناء"..
عاشراً وآخراً: أمر الله! لم يقيِّض الله لنا النجاح حتى الآن.. وقد يكون فرجه قريباً.
الخلاصة: تنجح ثوراتنا في الهدم، وتعجز عن البناء.. تنجح ثوراتنا في الإطاحة بالمستبدين، وتعجز عن خلق حاكم صالح رشيد، وأقصى أمانينا أن نجد "مستبداً مستنيراً"، أو "ديكتاتوراً عادلاً".. تنجح ثوراتنا في تغيير رجال الحكم، وتفشل في تغيير قواعد الحكم.. وتنجح ثوراتنا في خلق قيادات مؤقَّتة، وتفشل في خلق قيادات دائمة لها مشروع وطني يعبِّر عنها ويمثِّل طموحاتها. وبسبب هذه النجاحات المنقوصة تحدث ظاهرة "الثورة ثم الردَّة"، وهي ظاهرة متكرِّرة في تاريخنا الحديث.. لنا الله.

تعليقات
إرسال تعليق
أترك تعليق