معتز منصور يكتب : قوة بلا حرب


ما يحدث في فنزويلا اليوم يعكس اختبارًا حيًا للعبة القوة الحديثة، حيث تتشابك السياسة، الإعلام، والتهديدات العسكرية في خلق واقع متقلب. 

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن مؤخرًا تنفيذ عملية عسكرية داخل الأراضي الفنزويلية وادعى اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته، بينما نفت الحكومة الفنزويلية أي اعتقال وأكدت استمرار سيطرتها على الدولة. حتى اللحظة، لا توجد أي أدلة مستقلة تؤكد تنفيذ العملية أو اعتقال مادورو. هذا التضارب يكشف أن ما نشهده ليس سقوطًا للنظام، بل تصعيدًا استراتيجيًا متدرجًا يختبر توازنات القوة دون إعلان حرب تقليدي.

العملية العسكرية المزعومة، سواء تحققت أم بقيت مجرد إعلان، تمثل نموذجًا لاختبار أدوات الضغط الأمريكية الجديدة. تركيزها ليس على احتلال الأراضي أو فرض الديمقراطية بالقوة، بل على كسر توازن الخصم النفسي والسياسي وتركه في حالة غموض وعدم استقرار. مادورو ما زال موجودًا، الدولة لم تنهار، والجمهور الفنزويلي لم يُخضع بعد لواقع السيطرة الخارجية، لكن إعلان العملية يوضح قدرة الخطاب العسكري والإعلامي على خلق تأثير استراتيجي قبل أي فعل ميداني.

في هذه اللعبة، التحرير يُصاغ أولًا في الرؤوس قبل أن يتحقق على الأرض. الرسائل الإعلامية والسياسية، بما في ذلك إشاعات العملية العسكرية، تهدف إلى تهيئة الجمهور العالمي لتقبل أي سيناريو مستقبلي تحت شعار “تحرير الشعوب”. هنا يظهر السؤال الأخلاقي والسياسي بوضوح: من يحدد من يستحق “التحرير”، ومن يمكن استهدافه دون تكلفة عالية؟ العملية ليست مجرد حدث ميداني، بل أداة لاختبار الشرعية والقوة الدولية، وتحريك الرأي العام العالمي والإقليمي.

الدرس الاستراتيجي الرئيسي يكمن في أن القوة اليوم لم تعد تُقاس بالاحتلال العسكري التقليدي، بل بالقدرة على الضغط السياسي، إدارة المعلومات، وإعادة تعريف مفهوم الشرعية الدولية عبر التهديد والإشاعة. العملية العسكرية المزعومة، حتى لو لم تتحقق على أرض الواقع، تعمل كإشارة اختبارية لاستراتيجية الضغط الجديدة، حيث يمكن إثارة الهلع، اختبار ردود الفعل، وإعادة رسم صورة الخصم أمام العالم دون دفع كلفة مباشرة على الأرض.

ما يحدث في فنزويلا يظهر أن الدولة لم تعد مجرد كيان سياسي مستقل، بل أصبحت هدفًا يمكن إعادة تعريفه عبر أدوات غير تقليدية. النظام لا يُقاس فقط بقدرته على الدفاع عن سيادته، بل بقدرته على الصمود أمام حملة إعلامية وسياسية شاملة، تتخللها تهديدات عسكرية حتى لو كانت مجرد إشاعات. العملية المزعومة هنا ليست الحدث الفعلي، بل رمزًا لقدرة القوة الخارجية على إعادة تشكيل واقع الخصم دون الانخراط المباشر في الحرب التقليدية.

هذا النموذج يوضح أن “تحرير الشعوب” لم يعد مشروع خلاص، بل لغة لإدارة القوة والتحكم بالصور والرسائل. لا يحتاج التحرك إلى موافقة الشعب المستهدف، ولا إلى تفويض دولي، ولا حتى وضوح في الأهداف النهائية. كل ما يحدث هو توظيف للضغط الإعلامي والسياسي لتعديل سلوك الخصم وإعادة صياغة الرأي الدولي.

فنزويلا اليوم ليست سقوطًا حقيقيًا، لكنها مختبر حي لتقنيات الضغط والسيطرة الإعلامية. مادورو لم يسقط، لكن النظام يختبر قدرته على الصمود أمام تهديدات عسكرية، تصعيد إعلامي، ونقاش عالمي حول الشرعية والقوة. إشاعات العملية العسكرية تهدف إلى اختبار ردود الفعل الدولية والفنزويلية على حد سواء، ما يجعل المشهد نموذجًا عمليًا لاستراتيجيات المستقبل، حيث الوسيلة لا تقل أهمية عن الهدف، والضغط الإعلامي يمكن أن يكون أداة قوة فاعلة قبل أي مواجهة فعلية.

في النهاية، التجربة تكشف أن العالم لم يعد يُدار بالاتفاق وحده، بل بمن يملك القدرة على فرض الواقع وإعادة تعريف الأهداف والخصوم. الإعلام، التصعيد السياسي، والتهديدات العسكرية المزعومة يمكن أن تصبح أدوات قوة متداخلة، حتى قبل أن تتحقق أي نتيجة ميدانية فعلية. فنزويلا اليوم تطرح درسًا جديدًا في فن إدارة القوة، حيث الصورة والرسائل تصبح جزءًا من المعركة، قبل أي فعل عسكري ملموس.

تعليقات