الأخبار صادمة ومتواترة وغير مكتملة، ولذلك فإن التعليق عليها لا يمكن أن يتم دون جانب من التكهن. لكن هناك نقاطًا تبدو واضحة سأقوم بسردها:
1. نُقل الرئيس الفنزويلي المختطف نيكولاس مادورو وزوجته على متن سفينة حربية أمريكية إلى نيويورك، تحت الحراسة الفدرالية ليمثلا أمام القضاء الأمريكي بتهم تتعلق بتجارة المخدرات.
2. أُنجزت عملية الاختطاف بسرعة خيالية، ويقال إنها استغرقت ساعتين ونصف دون مقاومة تذكر من الجيش الفنزويلي ما عدا ضرب مروحية أمريكية. وعلمتُ أنه تم تدمير قدرات عسكرية واسعة بشكل يشبه ما قامت به إسرائيل ضد حزب الله في جنوب لبنان.
3. علمتُ بأن مادورو وزوجته اختطفا من داخل قاعدة عسكرية وسط كاراكاس، زرتها من قبل، وليس في القصر الرئاسي Miraflores أو مقر إقامة الرؤساء La Casona وكانا داخل غرفة محمية بألواح من الفولاذ.
4. كانت قوات أمن كوبية خاصة تحمي مادورو، وتقول مصادري بأنه تم اختراقها عبر فرد واحد على الأقل من الحراس الكوبيين.
5. ضحايا الاعتداء الأمريكي حتى الآن 40 قتيلاً من الجانب الفنزويلي بينهم مدنيون والدمار صادم ومنه ما طال منازل سكنية. من الجانب الأمريكي ترمب قال إن مروحية قد تضررت.
6. جرت عملية اختطاف مادورو في اليوم نفسه الذي سلّم فيه مانويل نورييغا نفسه في بنما في الثالث من يناير 1989 بعد غزو أمريكي لبلاده.
7. لم أسمع عن أية اعتقالات أخرى لأعضاء آخرين من حكومة مادورو.
8. ليس واضحاً تماماً موقف الجيش الفنزويلي الحقيقي من اعتقال مادورو وزوجته. كل شيء يسير بهدوء مريب للغاية.
9. صرح ترامب بأن الولايات المتحدة ستحكم فنزويلا خلال المرحلة الانتقالية، دون أن يوضح كيف سينفذ ذلك. أي وجود على الأرض لجنود أمريكيين سيواجه بمقاومة شرسة دون شك. وهناك قرابة ٢٠٠ ألف مسلح من الميلشيات البوليفارية. ليس هناك إطار قانوني لأي حكم أمريكي فهذا استعمار كلاسيكي. وإن كان سيرسل الجيش الأمريكي فهو احتلال عسكري ولا يبدو أن هذه النية.
10. رحّبت زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو من الخارج بالهجوم الأمريكي ضد بلادها، وهي سياسية تنتمي لأقصى اليمين وصهيونية تدعم نتنياهو والليكود. لكن ترمب فاجأ العالم حين قال إنها ليست الشخص المناسب لقيادة فنزويلا لأنها لا تحظى باحترام ودعم الفنزويليين! وقد تم تنصيب نائبة الرئيس ديلسي رودريغيس خلفاً لمادورو وسط قبول غريب من ترمب. يعني أنه لم يتم إسقاط نظام مادورو بل اقتلاع مادورو وزوجته فحسب.
11. بصفتي مواطنة فنزويلية فإن موقفي من نيكولاس مادورو لم يكن إيجابياً ولم يكن سلبياً تماماً لعدة أسباب، بعكس موقفي الإيجابي من سلفه تشافس، وكلاهما دعما فلسطين وعاديا إسرائيل. لكن بغض النظر عن تقييمنا لمادورو ولأدائه مهما كان سيئاً فلا يمكن قبول أي عمل عسكري أحادي الجانب تقوم به دولة ضد دولة أخرى بالقوة. ما قام به ترامب غير قانوني وهو سابقة تاريخية عنجهية كارثية تلغي سيادة الدول وتنسف القانون الدولي.
هل تم التوصل إلى اتفاق مع الجيش الفنزويلي، يسمح بموجبه باقتلاع مادورو وزوجته وحدهما، ويمنح ترامب ما يريده بعد الهجوم فيما يتعلق بالنفط مع بقاء النظام؟ مستغرب هذا الشيء لكن هذه أيام العجائب! وهل هناك خطة لاستبدال النظام لاحقاً؟
بعض التحديثات حول فنزويلا
١- وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو صرح بوضوح شديد أن الأطماع الأمريكية في فنزويلا تأتي من منطلق أن كل الموارد الموجودة في الشق الغربي للكرة الأرضية هي من حق أمريكا ولا يحق لأعدائها مثل روسيا والصين أن يضعوا أيديهم عليها
٢- لا روبيو ولا ترمب يتحدثان عن واحدة من أكبر أولويات الفنزويليين المعارضين ألا وهي قضية المعتقلين السياسيين. لا بل ويجيب كلاهما في المقابلات بشكل واضح بأن الانتخابات ليست مطروحة حالياً، ولا كلام عن مطلب من طرفهما يتعلق بالديمقراطية في فنزويلا. النفط أولاً، يقول ترمب
٣- الفرحة في الاحتفالات العارمة التي عمت ضمن الفنزويليين المعارضين في الخارج تحولت بسرعة إلى خيبة أمل مع تنصيب ديلسي رودريغيس رئيسة مؤقتة للبلاد في غياب مادورو "المؤقت". تلاشت آمالهم بسرعة حول انهيار النظام. النظام هو هو، كما هو، لكن بدون مادورو. يعني بالنسبة للمعارضين لم يتغير شيء يؤثر على حياتهم.
٤- هناك تغيير في النبرة في خطاب الرئيسة الجديدة ديلسي رودريغيس نحو الولايات المتحدة الأمريكية. إذ دعت إلى بناء علاقة جديدة مبنية على أسس الاحترام المتبادل والسيادة والتعاون والقانون الدولي - وهو أمر لن يقبله ترمب طبعاً فهو يريد النفط ببلاش. بينما كانت القاعدة الشعبية التشافيستا في الشوارع تهتف ضد الولايات المتحدة الأمريكية كعادتها. وطبعاً روبيو وترمب يكرران تهديداتهما: تنصاع ديلسي، وإلا!
٥- ظهرت ابنة أوغو تشافس الصغرى وهي ذات ال ٢٨ عاماً لتخطب بين الناس في الشوارع وتطالب بالإفراج عن مادورو وسيليا وتؤكد الاستمرار على نهج والدها الراحل. واضح، لا "تعاون" هنا مع الولايات المتحدة الأمريكية
السؤال البديهي الآن هو: كيف ستوفق ديلسي رودريغيس بين العلاقة الجديدة التي تدعو لبنائها مع الولايات المتحدة الأمريكية والحفاظ على شعبيتها وشرعيتها ضمن التشافيستا المعادين للامبرالية، بينما يقبع مادورو وسيليا في الأسر الأمريكي؟
معضلة حقيقة
تبقى أسئلة كثيرة بلا إجابة.
سوف أستمر في المراقبة وموافاتكم.
عني: عملت مراسلة صحفية في فنزويلا عقداً من الزمن وأعرف كل قياداتها شخصياً وتعاملت مع المعارضة والحكومة على حد سواء وما زلت أعود كل صيف إلى منزلي في كاراكاس وهو سالم لم يطأه القصف وكل أحبابي هناك بخير.
.jpeg)
تعليقات
إرسال تعليق
أترك تعليق