ما يجري في إيران لا يمكن اختزاله في توصيف واحد مبسط. التعامل معه بوصفه احتجاجات شعبية خالصة يفتقد الدقة، تماما كما أن نفي أي بعد اجتماعي عنه يخل بالتحليل.
المشهد بطبيعته مركب، تتداخل فيه مطالب اقتصادية ومعيشية حقيقية، مع اختراقات امنية واضحة، ومع انتقال جزئي من الاحتجاج إلى العنف المنظم في بعض المناطق.
هذا الانتقال لا يحدث تلقائيًا، بل يفترض بنية دعم وتمويل وتوجيه، وهي عناصر تمتلكها اجهزة استخبارات اقليمية ودولية، وفي مقدمها الموساد، كما تثبت سوابق موثقة داخل إيران وخارجها.
الصراع القائم ليس حدثًا طارئًا ولا انفجارًا مفاجئًا، بل حلقة في مسار ممتد منذ عام 1979.
العلاقة بين إيران والولايات المتحدة لم تعرف حالة سلام فعلي، بل صراعًا منخفض الحدة بأدوات متغيرة، عقوبات، حصار اقتصادي، حرب استخبارات، واشتباك غير مباشر عبر ساحات متعددة. الجديد في اللحظة الراهنة ليس وجود الصراع بحد ذاته، بل اقترابه من حافة المواجهة المباشرة، وتزامن الضغوط الخارجية مع توترات داخلية في آن واحد.
في هذا السياق، تصبح حرب المصطلحات جزءًا من المعركة نفسها. توصيف الدولة، والحراك، والفاعلين ليس مسألة لغوية محايدة، بل أداة لتوجيه الوعي وصياغة الإدراك العام. غير أن المبالغة في تبسيط المصطلحات تفقدها فعاليتها. الدولة ليست مجرد اسم أو لافتة، بل علاقة حية بين سلطة ومجتمع. والتمييز بين محتج ومخترق ضرورة تحليلية، لأن الخلط بينهما يحول أزمة اجتماعية قابلة للإدارة إلى أزمة شرعية مفتوحة، وهو بالضبط ما يسعى إليه الخصوم.
الاعتراف بوجود مطالب معيشية واقتصادية لا يناقض حقيقة الحرب المفروضة، بل يكملها.
العقوبات والضغط الخارجي عامل رئيسي في التدهور الاقتصادي، لكن تحويلهما إلى تفسير وحيد يعفي الداخل من مسؤوليات بنيوية حقيقية، تتعلق بالإدارة، والفساد، وكفاءة المؤسسات.
أي حديث جدي عن الصمود يفقد معناه إن لم يقترن بمسار إصلاحي ملموس، لا بوصفه تنازلًا، بل كجزء من معركة البقاء نفسها.
من حيث البنية، تمتلك الدولة نواة صلبة يصعب كسرها. وجود مؤسسات عقائدية وعسكرية مثل الحرس الثوري الإيراني، ومرجعية سياسية دينية مثل ولاية الفقيه، يمنحها قدرة عالية على امتصاص الصدمات وإدارة الازمات. لكن الصلابة الامنية وحدها لا تكفي على المدى الطويل. الدول لا تنهار فقط بالانقلابات أو الضربات المفاجئة، بل قد تتآكل ببطء حين يسبق الامن السياسة ويحل محلها.
جغرافيًا وديموغرافيًا، تمثل إيران مساحة معقدة وحساسة، ما يجعل محاولات الاختراق والتفجير الداخلي ممكنة تقنيًا، وإن كانت صعبة استراتيجيًا.
سيناريو الانهيار الشامل ضعيف، لكن سيناريو التفتيت يظل خطرًا نظريًا كلما طال أمد الأزمات دون إدارة ذكية ومتوازنة، التاريخ الحديث مليء بأمثلة لدول لم تسقط، لكنها خرجت من دورها الإقليمي مثقلة بالجراح.
الربط بين ما يجري في إيران والساحات الإقليمية الأخرى ليس إسقاطًا ايديولوجيًا، بل قراءة في طبيعة الصراع. غزة، لبنان، اليمن، والعراق ليست جبهات منفصلة، بل دوائر متداخلة في مواجهة مشروع واحد. غير أن هذا الترابط لا يعفي من الاعتراف بالكلفة الباهظة التي تدفعها المجتمعات في هذه الساحات. القوة الاستراتيجية لا تكتمل إلا بإدارة آثارها الاجتماعية، وإلا تحولت من رصيد سياسي إلى عبء تراكمي.
في النهاية، الثبات على المبدأ ليس نقيضًا للعقلانية، كما أن البراغماتية ليست بالضرورة خيانة.
التحدي الحقيقي هو الحفاظ على الجوهر مع القدرة على التكيف.
العالم لا يتحرك وفق منطق القوة العارية فقط، بل وفق توازنات متغيرة، ومسارات معقدة، وأخطاء صغيرة قد تفتح وقائع غير متوقعة.
من يراهن على الصمود دون مراجعة، يخاطر بأن يتحول الصمود إلى جمود. ومن يراهن على التكيف دون ثوابت، يفقد اتجاهه.

تعليقات
إرسال تعليق
أترك تعليق