خالد علي يكتب : "مصطفى إبراهيم"حين نكتب بجرأة القلب


حين كانت الأحلام تتآكل على الأرصفة، وحين كان الصمت أثقل من الكلام، خرج صوت مصطفى إبراهيم كأنه نجاة مؤقتة. لم يأتِ مزهوًا بالقصيدة، ولا متكئًا على تراث البلاغة، 

 بل جاء محمّلًا بوجعٍ يعرفه الجميع ولا يجيدون تسميته. لم يكن شاعرًا يُجمّل الألم، بل كان مايسترو للحزن النبيل، يلتقط أنين جيل وُلد من رحم الحلم، ثم اصطدم بواقعٍ صلب لا يلين.

كان جيل يناير يبحث عن مرآته. بحث عنها طويلًا في الخطب العالية، وفي القصائد التي تلمع لغتها أكثر مما تقول، لكنه لم يجد نفسه هناك. وجدها أخيرًا في عامية مصطفى إبراهيم؛ عامية حادة كالمشرط حين تفضح، وحنونة كيد أم حين تُربّت. شاعر لم يقف يومًا فوق برج عالٍ، بل جلس إلى جوار الناس على الرصيف، شاركهم القلق، ودخّن معهم الأسئلة، وكتب بحبر القهوة عن وطنٍ نستحقه.

لم تكن الثورة بالنسبة له حدثًا عابرًا، ولا موضوعًا شعريًا طارئًا، بل كانت النص الخفي الذي تسرب إلى كلماته قبل أن يُعلن عن نفسه في الشوارع قصائده لم تُلاحق الأحداث، بل سبقتها أحيانًا، أو مشت بجوارها، تُفسر الغضب دون أن تصرخ، وتُمسك باليأس دون أن تُنكره. في «ويسترن يونيون فرع الهرم» لم يكتب عن الغربة بوصفها سفرًا، بل بوصفها حالة داخلية، يعيشها من لم يغادر مكانه أبدًا.

وفى قصيدة «إني رأيت اليوم» يعيد مصطفى إبراهيم استدعاء الحسين لا بوصفه حدثًا تاريخيًا منتهيًا، بل كجسدٍ حيٍّ يتكرر قتله كل يوم. الرؤية هنا ليست حلمًا، بل كابوسًا واقعيًا يراه “الثائر”، حيث يتحول المشهد إلى مسرح قمعٍ مألوف: عساكر فوق الجثة، وشومٌ تُمارس السخرية من الألم، وبشرٌ يقفون في منطقة البكاء بدل الفعل. الشاعر يستخدم لغة بسيطة لكنها دامغة، تجعل الحسين مرآةً لكل مظلوم، وتجعل الصمت الجمعي شريكًا في الجريمة. إنها قصيدة تُدين العنف لا بحدّته فقط، بل بتطبيعه، وتفضح كيف يموت الحسين “كمان مرة” لأننا ما زلنا نكتفي بالمشاهدة.

وتبقى قصيدة «فلان الفلاني» واحدة من العلامات الفارقة في ليس فقط فى تجربة مصطفى إبراهيم، بل من علامات ميدان التحرير، قيمة هذه القصيدة لم لا تأتى من البلاغة فقط، بل أيضا من الصدق العاري. من تلك القدرة النادرة على تحويل المجهول إلى أقرب الناس. “فلان” هنا ليس اسمًا ناقصًا، بل وطنًا كاملًا بلا بطاقة تعريف. كل سطر يحمل يدًا امتدت في لحظة خوف، وابتسامة عبرت في زحام الرصاص، وسندويتشًا اقتُسم لأن الجوع كان جماعيًا مثل الحلم. الكلمات تمشي في الميدان كما هي: بلا تصنّع، بلا بطولة زائفة، تلتقط الوجوه العابرة وتمنحها خلودًا شعريًا. في هذه الأغنية، يصبح العابر بطلًا، والابتسامة موقفًا، والطمأنة فعل مقاومة. جمالها الحقيقي أنها لا ترفع الصوت، بل تقترب… تهمس بأن الثورة كانت في هؤلاء “الفلانين” الذين لا نعرف أسماءهم، لكننا ما زلنا نحيا بفضلهم

مصطفى هو صوتًا لجيلٍ تائه، معلّق بين رغبة جارفة في التغيير وخوفٍ عميق من الخسارة. لم يُؤرّخ الأيام، لكنه أرّخ الشعور: الخنقة التي تملأ الصدور، الدموع التي تجف قبل أن تجد منديلاً، والتعب الذي لا يُرى في نشرات الأخبار. شعره صار موسيقى تصويرية غير معلنة لكل من مرّ بشارع محمد محمود، ولكل من وقف في الميدان وهو لا يعرف إن كان يعود إلى البيت أم إلى المجهول.

ما يميّز مصطفى إبراهيم أنه لا يطارد المفاهيم الكبيرة، بل ينحني ليلتقط التفاصيل الصغيرة. لا يكتب عن الحرية كفكرة، بل عن صورة شهيد بهتت ألوانها على الحائط، وعن حقيبة سفر مؤجلة، وعن قلبٍ تعلّم أن ينتظر دون وعود. في شعره، يصبح القبح جمالًا صادقًا، وتتحول الهزيمة إلى لغة مشتركة، لا تخجل من نفسها.

لهذا بقي تأثيره حيًا. لأنه لم يَعِد جيله بانتصارات سهلة، ولم يُقايض الألم بشعارات. شاركهم الانكسار كما هو، بلا تزويق، فصارت قصائده أشبه بتعويذات خفية، نعلّقها في القلب لا لتحمينا من الوجع، بل لنقول لأنفسنا: نحن لسنا وحدنا.

لم يكن مصطفى إبراهيم شاعر لحظة عابرة، بل مرحلة كاملة تمشي على قدمين. خرج من قلب الجيل لا من فوقه، وتكلم بلسانه لا عنه. كلماته لم تكن منمقة، ولا متعالية، ولا حريصة على البلاغة بقدر حرصها على الصدق. وكان الصدق هو المعجزة، فلم تُمجّد البطولة الزائفة، ولا رسمت الثوار ملائكة، بل قالت الحقيقة كما هي: بوجعها، بتناقضها، وبأملها العنيد.

مصطفى إبراهيم لم يكتب عن الثورة من بعيد، لم يراقبها، لم يشرحها، بل عاشها، وتكسّرت الكلمات في صوته قبل أن تستقيم على الورق، فهو شاعر لم يرث اللغة، بل أعاد تشكيلها لتشبه جيله، جيل وُلِد في زمن الأسئلة، وما زال يرفض الإجابات السهلة.

مصطفى إبراهيم ليس فقط واحدًا من أفضل من كتبوا عن الثورة، بل هو أحد أسباب بقائها في الذاكرة، كما كانت: إنسانية، صادقة، ولا تشبه إلا نفسها، وما زالت كلماته حية، لأنها لم تكن شعارات، بل حياة حقيقية مكتوبة بجرأة القلب.

#من_حكايات_الثورة

تعليقات