ما جرى في فنزويلا لا يمكن إدراجه في خانة التطورات السياسية التقليدية، ولا حتى في إطار الانقلابات المعهودة في تاريخ أمريكا اللاتينية. الحدث تجاوز ذلك بكثير، لأنه ارتبط بإقرار علني من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتنفيذ عملية عسكرية مباشرة انتهت باعتقال رئيس دولة من داخل قصره الرئاسي ونقله خارج بلاده. هذا الاعتراف، بصيغته الواضحة، يضع الواقعة خارج دائرة الجدل السياسي ويجعلها فعلا سياديا عدوانيا مكتمل الأركان، لا يحتاج إلى قراءة نوايا بقدر ما يحتاج إلى توصيف دقيق لما حدث فعليا.
القضية هنا لا تتصل بشخص نيكولاس مادورو ولا بتقييم أدائه أو بشرعية نظامه أو بنتائج الانتخابات أو مسارات التفاوض التي سبقت الحدث. كل هذه الأسئلة تصبح ثانوية لحظة تنفيذ تدخل عسكري خارجي يستهدف رأس الدولة مباشرة من داخل مقره الرسمي. في هذه اللحظة، يتقدم مبدأ السيادة على كل ما عداه، لأن انتهاكه لا يطعن في نظام بعينه فحسب، بل في القاعدة التي يفترض أنها تحمي جميع الدول، بغض النظر عن طبيعة أنظمتها.
ما يمنح هذه الواقعة ثقلها الاستثنائي ليس فقط حدوثها، بل الطريقة التي جرى الإعلان عنها. لم تحاول الإدارة الأميركية تغليف العملية بغطاء قانوني دولي، ولم تلجأ إلى صياغات رمادية أو وسطاء محليين أو روايات متدرجة. الاعتراف جاء مباشرا، ما يعكس تحولا في السلوك السياسي الأميركي، من سياسة التدخل غير المباشر إلى سياسة الفعل العلني، ومن منطق التبرير إلى منطق الإقرار بالقوة. هذا التحول بحد ذاته مؤشر على تراجع القيود التي كانت تضبط استخدام القوة في العلاقات الدولية، حتى على مستوى الخطاب.
في هذا السياق، تكتسب تصريحات ترامب حول إعادة تفعيل مبدأ مونرو أهمية خاصة. خلال ولايته الثانية، تحدث ترامب علنا في أكثر من مناسبة عن هذا المبدأ بوصفه إطارا حاكما للسياسة الأميركية في نصف الكرة الغربي. لم يقدمه كمرجع تاريخي يعود إلى القرن التاسع عشر، بل كقاعدة سياسية قائمة، تقوم على اعتبار أمريكا اللاتينية مجالا حيويا للأمن القومي الأميركي. الخطاب الرسمي للإدارة ربط بين هذا المبدأ وبين رفض أي حضور مؤثر لقوى دولية منافسة داخل الإقليم، وعلى رأسها روسيا والصين، وأكد حق واشنطن في اتخاذ إجراءات مباشرة إذا رأت أن ميزان المصالح أو الأمن مهدد.
هذا التناول العلني لـ مبدأ مونرو يضفي على ما جرى في فنزويلا بعدا إضافيا. فالتدخل لم يُقدَّم بوصفه حالة استثنائية، بل كجزء من سياسة أوسع تعيد تعريف العلاقة بين الولايات المتحدة وجوارها الجنوبي على أساس الوصاية لا الشراكة. بذلك، يصبح الحدث تطبيقا عمليا لرؤية معلنة، لا انزلاقا طارئا أو تجاوزا غير محسوب.
المقارنة مع ما جرى في بنما عام 1989 تفرض نفسها هنا بوصفها مرجعا تاريخيا لا مجازا بلاغيا. حين اعتُقل الرئيس البنمي آنذاك ونُقل إلى الولايات المتحدة، اعتُبر ذلك سابقة صادمة في زمن نهاية الحرب الباردة. اليوم، تتكرر الواقعة في عالم يفترض أنه أكثر حساسية لمسألة السيادة وأكثر تشابكا في المصالح. تكرار الفعل، بعد أكثر من ثلاثة عقود، وبجرأة أكبر ووتيرة أسرع، يعني أن تلك السابقة لم تُطو، بل جرى استيعابها ثم إعادة إنتاجها ضمن سياق دولي جديد.
في ضوء ذلك، يصبح الحديث عن الديمقراطية أو الانتقال السياسي توصيفا غير دقيق للواقع. الديمقراطية، كمسار سياسي، لا تُفرض بخطف الرؤساء ولا تُبنى عبر كسر سيادة الدولة بالقوة الخارجية. أي سلطة تنشأ بعد هذا الحدث ستظل محمولة على لحظة انتهاك سيادي، ما يجعل شرعيتها محل سؤال دائم، داخليا وخارجيا. تحويل الخطف إلى أداة انتقال يعني تبرير الوسيلة بالغاية، وهو منطق أثبتت التجارب أنه يقود إلى دول أكثر هشاشة لا إلى استقرار سياسي.
الأثر الأوسع لما جرى يتجاوز حدود فنزويلا. الرسالة التي يُنتجها هذا الحدث واضحة في دلالتها، لا حصانة لرؤساء الدول إذا قررت قوة عظمى تجاوز الخطوط الحمراء، ولا قيمة عملية للسيادة إذا تعارضت مع حسابات القوة. هذا المنطق، حين يُطبع ويُقبل بوصفه أمرا واقعا، يفتح الباب أمام تكراره في مناطق أخرى، بذات الصيغة أو بصيغ معدلة.
في المحصلة، ما حدث في فنزويلا ليس أزمة محلية ولا فصلا عابرا في تاريخ أمريكا اللاتينية، بل علامة على مرحلة دولية أكثر خشونة، تتراجع فيها القيود القانونية والسياسية أمام منطق القوة الصلبة. الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في مصير دولة بعينها، بل في قبول العالم، صمتا أو تبريرا، بتحول خطف رؤساء الدول إلى أداة مشروعة في إدارة الصراع الدولي. عند هذه النقطة، لا يعود السؤال من التالي، بل متى وأين.

تعليقات
إرسال تعليق
أترك تعليق