السد العالي مفخرة مصر على مر العصور وأعظم إنجازات العهد الناصري.. تم تكريمه عالميًا باختياره كأعظم مشروع بنية أساسية في العالم في القرن العشرين وبالتالي في التاريخ لأن التقدم العلمي والتقني في ذلك القرن، سمح بإقامة مشروعات لم يكن الإنسان يحلم أو يتصور إقامتها قبله، ففي أغسطس عام 1999، قامت هيئة تحكيم عالمية ضمت مجموعة من أبرز شركات الإنشاءات والمقاولات، ومنتجي معدات ومواد البناء والتشييد، ومسئولين حكوميين من القطاع العام، ومسئولين من القطاع الخاص، ومحرري المطبوعات المتخصصة في البناء والتشييد، بعقد اجتماع على هامش أضخم معرض إنشائي وتجاري وصناعي في القرن العشرين.
في ويسترن هامبشاير لاختيار أبرز عشر مشروعات إنشائية في القرن العشرين، وجاء السد العالي في المقدمة كأعظم مشروع بنية أساسية في القرن العشرين وبالتالي في التاريخ، وجاء في حيثيات اختياره، أنه أعظم عمل إنشائي وهندسي عالمي أحدث تغييرات إيجابية كبيرة في حياة شعب بأكمله، فهو يوفر مياه الشرب والري بصورة منتظمة وآمنة لشعب مصر، ويوفر جانبا مهما من احتياجات مصر من الطاقة. كما يختزن كميات هائلة من المياه في بحيرة ناصر تكفي لمواجهة الاحتياجات المائية المصرية في حالة انخفاض الإيرادات المائية لنهر النيل عدة سنوات متتالية كما يحدث في دورات الجفاف السباعية التي تضرب منابع النيل مرة واحدة كل قرن أو قرنين منذ عهد المصريين القدماء وحتى الآن.
كما أنه أدى لمضاعفة الإنتاج الزراعي وفتح المجال أمام التوسع في استصلاح واستزراع الأراضي بصورة غير مسبوقة. كما أنقذ مصر من أخطار الفيضانات العالية المدمرة. أما السودان فقد أصبح بفضل هذا المشروع أكثر قدرة على تنظيم مياه النيل على مدار العام وعلى مواجهة النقص في الإيرادات المائية في أي عام، لكنه ما زال معرضًا لأخطار الفيضانات العالية المدمرة حتى الآن. وقد فاز السد العالي بهذه المكانة بعد منافسة كبيرة مع "الإمباير ستيت" التي تعتبر أول ناطحة سحاب، وكذلك مع سد "بولدر" الأمريكي الذي يعتبر فتحًا في عالم السدود الكبيرة في وقت إنشائه في بداية القرن العشرين.
سد مصر العالي في ميزان التاريخ
أنقذ مشروع السد العالي نحو 32 مليار متر مكعب من المياه عند أسوان بعد أن كانت تهدر في البحر قبل إنشائه، منها 22 مليار متر مكعب من المياه فائدة صافية يمكن استخدامها، فضلا عن نحو 10 مليارات متر مكعب تُفقد بالبخر في بحيرة ناصر. وتحصل مصر من الـ 22 مليار متر مكعب التي تم إنقاذها على 7,5 مليار متر مكعب، بينما يحصل السودان على 14,5 مليار متر مكعب. وقد أتاح نصيب مصر من هذه المياه، زيادة الرقعة المنزرعة بنحو 1,3 مليون فدان لو تم ريها بالغمر، ترتفع إلى أكثر من الضعف لو تم استخدام الري بالتنقيط. كما أدى إلى تحويل ري الحياض الى نظام الري المستديم الذي يسمح بزراعة محصولين أو أكثر في العام بدلا من محصول واحد فقط.
كما أدى لرفع إنتاجية المحاصيل الزراعية من خلال تحسين حالة الصرف وضمان مياه الري في الأوقات الملائمة للمحاصيل، فضلا عن المحطة الكهرومائية التي كانت تغطي نحو 54% من احتياجات مصر من الكهرباء في السبعينيات، وساهمت في إنارة الريف المصري وفي مد المشروعات الصناعية بالكهرباء. كما تم تحسين الملاحة في النيل سواء لنقل البضائع أو لنقل السياح في رحلاتهم النيلية. كما أدى إلى حماية مصر من أخطار الفيضانات المدمرة التي كان يُخصص لمواجهتها نحو 100 ألف مهندس وعامل خلال شهور الفيضان.
وبالرغم من ضخامة الفوائد الاقتصادية والاجتماعية التي جنتها مصر من وراء السد العالي، إلا أن دوره في حماية مصر من دورات الجفاف الرهيبة يعد بحق المأثرة التاريخية للسد العالي بالنظر إلى الآثار المرعبة لدورات الجفاف السباعية المتكررة تاريخيا، على البشر والزرع والثروة الحيوانية في مصر.
أعظم أدوار السد.. توفير 88 مليار متر مكعب أنقذت مصر من الجفاف السباعي
خلال سنوات الجمر من عام 1979 إلى عام 1987 لعب السد العالي أعظم أدواره في حماية مصر من جفاف كان من الممكن ألا يبق ولا يذر لو لم يكن السد العالي قد بٌني، وبالنظر الى أن مخزون بحيرة ناصر كان 133 مليار متر مكعب عند مستوى 177,75 مترا عام 1979، انخفضت الى 125 مليار متر مكعب عام 80/1981 ثم واصل المخزون انخفاضه مع السحب حتى بلغ نحو 37 مليار متر مكعب فقط عند منسوب 149,4 متر فوق مستوى البحر عام 1988 قبل بدء الفيضان في يوليو. ونظرا لأن التخزين حتى منسوب 147 متر توازى نحو 31,6 مليار متر مكعب يعتبر تخزين ميت مخصص لاستيعاب ترسيب الطمي في البحيرة على مدى 500 عام فإن المخزون الحي للبحيرة قد وصل الى نحو 5,4 مليار متر مكعب فقط قبل أن يأتي الغوث في الفيضان العالي الذي جاء في صيف العام 1988 والذي رفع منسوب بحيرة ناصر الى نحو 168 مترا توازي مخزون قدره 89,2 مليار متر مكعب منها 31 مليار متر مكعب مخزون ميت ليبقى نحو 58,2 مليار متر مكعب مخزون حي.
المهم هنا أن مصر سحبت من مخزون بحيرة ناصر نحو 4 مليارات متر مكعب من المياه بين عامي 1976، 1980. ثم سحبت نحو 88 مليار متر مكعب من مخزون البحيرة خلال الفترة من عام 1981 الى عام 1988 أي بمعدل 11 مليار متر مكعب سنويًا. ولنا أن نتصور حال الزراعة والصناعة في مصر لو لم يكن السد موجودًا يوفر لمصر من مخزون بحيرته هذا الكم الهائل من المياه على مدى سنوات الجمر التي اكتوت بها بلدان منابع النيل بينما لم تعان مصر منها بفضل السد العالي ومخزون بحيرة ناصر. لو لم يفعل ناصر سوى بناء سد مصر العالي وتأميم قناة السويس التي كانت قد سُرقت من مصر لاستخدام إيراداتها في تمويل بناء السد، فإنهما عملان كافيان لرفعه لأسمى مراتب المجد والخلود في ضمير الأجيال ممن يدركون معنى الوطن واحتراف البناء لصالح الشعب وصناعة المصير والاستقلال والكرامة الوطنية.

تعليقات
إرسال تعليق
أترك تعليق