معتز منصور يكتب : خرائط القوة ومعنى الدولة


لم تعد الدولة، في النظام الدولي الراهن، مجرد كيان سيادي متساوٍ مع غيره، بل أصبحت موقعًا متفاوتًا على خريطة قوة غير معلنة، تُقاس فيه القيمة لا بحدود الجغرافيا أو شعارات القانون، بل بالوظيفة التي تؤديها داخل منظومة الهيمنة العالمية. السيادة هنا ليست مبدأ ثابتًا، بل درجة متحركة، تُمنح أو تُقيد أو تُفرغ من مضمونها بحسب موقع الدولة في الحسابات الكبرى، ومدى تأثيرها على الاقتصاد العالمي، سلاسل الطاقة، والتوازنات العسكرية.

العالم اليوم لا يُدار كوحدة سياسية واحدة، ولا كنظام تحكمه قواعد معلنة، بل كشبكة دوائر متداخلة، لكل دائرة منطق مختلف في التعامل، وحدود مختلفة لما هو مسموح وما هو محظور. هناك دول تُعامل كامتداد داخلي لقوة كبرى، مثل فنزويلا بالنسبة للولايات المتحدة، ودول تُترك في مساحة فوضى مدارة، مثل سوريا، ودول تُحاط بعقود حماية مشروطة، مثل دول الخليج، ما دامت تؤدي الوظيفة المطلوبة: ضمان تدفق الطاقة، دعم الاستقرار الاقتصادي، الاصطفاف الأمني، وعدم كسر الخطوط الحمراء الكبرى.

تصريح ماركو روبيو حول فنزويلا يكشف هذا المنطق بوضوح. حين قال إن فنزويلا ليست الشرق الأوسط، بل نصف الكرة الغربي، لم يكن يقارن مناطق جغرافية، بل أعلن أن واشنطن تتصرف هناك كقوة ذات امتداد مباشر، قادرة على طرح سيناريوهات الانتقال السياسي علنًا، من دون الحاجة لتغطية قانونية أو أخلاقية مكثفة. الهدف كان ليس فقط السيطرة السياسية، بل التأثير على سلاسل الإمداد النفطية الصينية: فنزويلا تمثل حوالي 4٪ من واردات النفط الصينية، واستهدافها يسمح لواشنطن بتقليص قدرة الصين على الاحتفاظ بمخزون استراتيجي كبير يقدر بنحو مليار برميل بحلول عام 2026.

أما الشرق الأوسط، فهو حالة مختلفة. التجارب مع مصر، العراق، وسوريا أظهرت أن واشنطن لا تستطيع، ولا تريد، فرض انتقال سلطة مباشر. في مصر بعد 2013، الخطاب كان حذرًا، يقوم على التشجيع والمتابعة، لا التعيين المباشر. في العراق بعد 2003، السيطرة المباشرة أفضت إلى فوضى واستنزاف طويل، وصعود لاعبين غير خاضعين للنفوذ الأميركي. أما سوريا، فمثلت نموذج إدارة فوضى، الهدف منه استنزاف الخصوم ومنع تشكل دولة مستقرة خارج السيطرة الغربية، عبر دعم محدود، انسحابات محسوبة، وخطوط حمراء غير معلنة.

الخليج، مع ذلك، يقع في منطقة رمادية أخطر. ليس فنزويلا، فلا يمكن فرض السيطرة المباشرة عليه دون تكلفة عالمية فورية تشمل أسواق الطاقة، الدولار، الملاحة الدولية، والاستثمارات العالمية. وليس مصر، فهو عقدة مركزية في النظام الاقتصادي العالمي، يتحكم في النفط، الأسواق، الاستثمار، القواعد العسكرية، وسلاسل التمويل. العلاقة بين واشنطن ودول الخليج تقوم على الهيمنة التعاقدية: الأنظمة باقية، الأسر الحاكمة محمية، السيادة الشكلية محترمة، مقابل التزام بوظيفة محددة داخل النظام العالمي.

لكن العقود ليست أبدية. الخطر يبدأ حين تتغير وظيفة الخليج: تراجع مركزية الدولار، تحول الصين للشريك الأمني الأكبر، خروج أسواق النفط عن السيطرة، أو تشكل ترتيبات طاقة ومالية خارج الهيمنة الغربية. عندها تتغير اللغة، ولا نسمع تصريحات مثل روبيو، لكن نرى أدوات إعادة الضبط، ضغوطًا اقتصادية، وإعادة تشكيل تحالفات، وربما كسر ناعم بدلاً من الصدام المباشر.

من منظور الطاقة والاقتصاد، التحديات تتضخم: الصين تستورد يوميًا نحو 11.1 مليون برميل نفط، تمثل 74٪ من احتياجاتها المحلية، من السعودية، إيران، فنزويلا، روسيا ودول أخرى. أي اضطراب، مثل تهديد مضيق هرمز أو توقف شحنات النفط من إيران، يضر الاقتصاد الصيني مباشرة. الولايات المتحدة، في المقابل، باتت تسيطر على النفط الفنزويلي، ولديها مخزون استراتيجي ضخم، ما يمنحها قدرة على المناورة دون الاعتماد على الحلفاء الإقليميين.

ما يجري اليوم ليس حربًا عالمية بالمعنى الكلاسيكي، لكنه مرحلة سيولة نظامية عالية، تتصارع فيها القوى الكبرى على شكل النظام الدولي المقبل. الدول لا تعامل بنفس الطريقة؛ بعضها يُمتلك، بعضها تُدار، وبعضها يُتعاقد معه. فنزويلا تقع في الدائرة الأولى، الشرق الأوسط في الثانية، والخليج في الثالثة. فهم موقع الدولة ووظيفتها داخل هذه الدوائر هو مفتاح لفهم معنى السيادة اليوم، وكيف تصبح الجغرافيا نفسها وظيفة استراتيجية، لا مجرد حدود، تتحدد فيها القوة والقدرة على المناورة والنجاة في عالم متعدد المستويات، حيث كل خطوة تُحسب بعمق.

تعليقات