وأنا أقف أمام لوحات محمود سعيد، أشعر أنني لا أواجه رسوما معلقة على جدار، بل أنثى حية كاملة التكوين، بشحمها ولحمها، بحضورها الجسدي والنفسي معا.
لا أرى جسدا فقط، بل أرى مشاعر، وتاريخا داخليا، وقلقا مستترا، وطمأنينة عابرة.
نساء محمود سعيد يخرجن من اللوحة باعتبارهن كائنات مكتملة، لسن موضوعا جماليا ولا زينة بصرية، بل حياة كاملة تنبض داخل اللوحة.
تشعر أن دماء الفنان ذاته تسري في خطوط الجسد وانحناءاته، فيجعل من المرأة حالة إنسانية لا مجرد شكل.
وربما يعود هذا الشغف بالأنثى إلى جذور بعيدة في حياته، إلى الأم، أو إلى أول معلمة أنثى تلقى على يديها دروسه الأولى في الرسم، فصار شغفه بالمرأة شغفا بالحياة ذاتها.
في لوحة أمومة لا تواجه جسدا أنثويا، بل حالة انتظار مقدسة. كل شيء في اللوحة هادئ ومطمئن، الألوان، الجلسة، وضعية اليدين، نظرة العين، وحتى تفاصيل الرداء.
الأحمر هنا ليس شهوانيا ولا دمويا، بل لون دفء وامتلاء، والصدر على وضوحه يخلو تماما من الإثارة، لأنه صدر ينتظر، لا يعرض نفسه. الضوء يبدو وكأنه يخرج من داخل المرأة لا يسقط عليها من الخارج، فتغدو الأمومة حالة نور داخلي، لا مشهدا مرسوما. كل تفصيلة توحي بالسكينة، وكأن اللوحة بأكملها تحبس أنفاسها في انتظار المولود القادم.
أما في لوحة ذات العيون العسلية فنحن أمام أنثى محملة بالقلق والحرمان. نظرتها لا تستقر، ودمعتها محبوسة في العمق. تشعر وكأنها تستمع لشيء لا نراه، أو تنتظر خبرا مؤجلا. العقد، وربطة الرداء، وإخفاء اليد اليسرى، كلها إشارات إلى قيود داخلية، وإلى أسئلة مفتوحة عن الحب والزواج والفقد.
هنا لا يرسم محمود سعيد امرأة حزينة فقط، بل يرسم الحيرة ذاتها، والتوتر الكامن خلف المظهر الميسور والذهب اللامع.
وفي " بنات بحري، تتجلى عبقرية محمود سعيد .
ثلاث نساء في طريق واحد، بزي متقارب، لكن لكل واحدة عالمها الخاص. الوسطى جريئة، مفعمة بالحضور والأنوثة، واثقة من نفسها. اليسرى خجولة، منكسرة قليلا، لكنها واثقة بجمالها. أما اليمنى ، فأنوثتها لا تظهر جسدا بل تُحَس إحساسا، من خلال نظرتها المتحدية واتساع عينيها.
هنا يؤكد محمود سعيد أن الأنوثة ليست شكلا واحدا، بل حالات متعددة، حتى حين تتشابه الظروف.
ويستمر هذا التنوع في لوحات أخرى، حيث تتغير الشخصيات تماما رغم تكرار التكوين العددي، وكأن الفنان يصر على ألا يكرر المرأة ذاتها، بل يبتكر لها في كل مرة روحا جديدة.
وفي لوحات مثل "نبوية في الرداء المشجر"، و"ذات الحلي" نرى أنثى تعرف أكثر مما تقول، أنثى في حالة حساب داخلي، أو ترقب صامت، أو بكاء مكتوم، حيث تتجاور الحيوية الجسدية مع الجفاف النفسي في مفارقة إنسانية مؤلمة.
أما ذات الرداء الأزرق وراعية الماشية فهما صورتان للعزة والقوة الهادئة. نساء طويلات، فارعات، ثابتات، لا يحتجن لإظهار الأنوثة كي يثبتن حضورهن. الأنوثة هنا متصالحة مع الشموخ، لا منكسرة ولا مستعطفة.
نساء محمود سعيد لسن جميلات بالمعنى السطحي، بل معقدات، قلقات، مطمئنات، مشتهيات، محرومات، وأحيانا كل تلك المشاعر المتناقضة في آن واحد.
هو لا يرسم المرأة بوصفها جسدا للنظر، بل روحا للتأمل، وكأنه يقول لنا إن فهم المرأة هو في محاولة الإصغاء لما لا يُقال، لما يسكن العين، وما يتخفى خلف الصمت.
هكذا تتحول لوحاته من فن تشكيلي إلى تجربة إنسانية كاملة، تجعلنا نخرج من أمامها ونحن نحمل أسئلة أكثر مما نحمل إجابات.





تعليقات
إرسال تعليق
أترك تعليق