ليست كل الخسارات متشابهة. هناك خسائر تمضي معنا بهدوء، وهناك خسائر تغير طريقة نظرنا لما حولنا. ليس لأنها كانت أكبر، بل لأنّها مستت شيئًا أساسيًا في توازن الأشياء. حين يغيب شخص كان حضوره معيارًا، لا مجرد وجود، يصبح الغياب نفسه سؤالًا.
سؤال يتسع، ويتجاوز حدود الاسم والعلاقة، ويظهر أثره في تفاصيل الواقع، وفي ما كنا نعتقد أنه ثابت ثم اكتشفنا أنه كان يستند إلى هذا الحضور.
في عالم اعتاد تحويل المآسي إلى أخبار سريعة، والغيابات الثقيلة إلى أرقام، صار الحزن طقسًا قصيرًا، لا يلبث أن ينتهي مع تبدل العناوين. لكن هذا الفقد يرفض هذا المصير. يرفض أن يتحول إلى مناسبة، أو إلى عبارة مطمئنة نتبادلها ثم نمضي. لأن ما فُقد هنا ليس شعورًا فقط، بل دور، وحضور، وأثر مباشر في ميزان الواقع.
الفقد الذي نعيشه هنا ليس مجرد لحظة حزن عابرة، ولا تجربة يمكن تجاوزها ببضع كلمات. هو فقد مادي جسيم، يتعلق بالسيد نفسه، ويترك أثرًا واضحًا في الواقع قبل أن يتركه في الذاكرة. غياب حقيقي، لا يخففه الكلام، ولا يعوضه التأويل، ولا يشفيه تحويله إلى قصة قابلة للتداول. غياب للدور وللأثر المباشر، لا نفيا للوجود ولا إنكارًا للبقاء.
من هذه الزاوية، يشبه هذا الفقد ما مثله فقد الحسين ابن علي، لا كتشبيه عاطفي، بل كحالة فقد لا يمكن القفز فوقها أو التعامل معها بوصفها أمرًا منتهيًا.
هذا النوع من الفقد لا يقبل أن يتحول إلى رمز مغلق نضعه جانبًا ونكمل حياتنا. الرمز المغلق يريح، لكنه يفرغ الحدث من ثقله. أما الفقد الحقيقي، فهو بطبيعته مقلق. يطرح أسئلة ولا يقدم إجابات جاهزة. أسئلة عن المسؤولية، عن الموقف، عن ما كان يجب أن يقال أو يُفعل ولم يحدث. لذلك، لا يكون المطلوب مجرد الحزن، بل البقاء في حالة وعي، وعدم الانزلاق إلى النسيان السهل.
أنا ممن يقولون دائمًا إن السيد باق، القول بأن السيد باق لا ينبغي أن يُفهم كتعويض عن الفقد، ولا كطريقة لإغلاق الجرح. نعم، البقاء حقيقة، لكن البقاء وحده لا يلغي الخسارة، ولا يعفي من تبعاتها. ما يبقى ليس بديلًا عما فُقد، بل أمانة أثقل، ومسؤولية أكبر. البقاء هنا اختبار، لا خاتمة مطمئنة.
الخطر أن نستخدم لغة البقاء لتهدئة أنفسنا فقط، فنحول الفقد إلى عبارة جميلة ونغلق الملف. عندها لا نكون قد تجاوزنا الخسارة، بل تجاهلناها. الفقد الذي لا يغير فينا شيئًا، ولا يعيد ترتيب أولوياتنا، ولا يجعلنا أكثر انتباهًا للظلم والخطأ، هو فقد جرى تحييده، لا فهمه.
من هنا، لا يعود هذا الفقد شأنًا خاصًا بمن أحبوا السيد أو عرفوه عن قرب، بل يصبح مسألة وعي عامة. الفقد الكبير لا يختبر قدرتنا على الحزن، بل قدرتنا على الفهم. لا يسأل كم بكينا، بل ماذا فعلنا بعد أن جف الدمع. هل غير فينا شيئًا، أم مر كما مرت غيره من الوقائع الثقيلة ثم طوّيناه باسم الواقعية أو التعب أو العجز.
كثيرًا ما يبحث الناس عن جملة فاصلة تغلق المعنى. عبارة سهلة التداول، تعيد التوازن النفسي، وتمنح شعورًا بأن الأمور ما زالت تحت السيطرة. لكن الفقد الحقيقي يقاوم هذا الميل. يرفض أن يُختصر. يرفض أن يتحول إلى لافتة. وكل محاولة لاختزاله ليست حلًا، بل تأجيلًا للسؤال.
حين يكون الغياب غياب أثر مباشر، لا غياب وجود، فإن الفراغ الذي يتركه ليس فراغًا زمنيًا، بل فراغًا في المسؤولية. هذا الفراغ لا يملأه شخص آخر، ولا خطاب جديد، بل يظل قائمًا كمعيار. معيار يُقاس به الصدق، والالتزام، والقدرة على عدم التراجع حين تصبح الكلفة شخصية لا عامة.
لهذا، لا يمكن للفقد أن يكون مناسبة للانسحاب من العالم. على العكس، هو دعوة للانخراط فيه بوعي أكبر. ليس انخراطًا صاخبًا، ولا اندفاعًا غير محسوب، بل انخراطًا هادئًا وصلبًا. انخراط يعرف أن العدالة لا تتحقق دفعة واحدة، وأن الظلم لا يسقط بمجرد أن نسميه، لكن الصمت عنه يراكمه ويجعله مألوفًا.
هذه رسالة إلى أحرار العالم جميعًا. إلى كل من يظن أن الحرية فكرة جميلة ما دامت لا تطلب ثمنًا، وأن الكرامة قيمة نتغنى بها من بعيد. الفقد يكشف هشاشة هذه التصورات، ويضع الإنسان أمام لحظة صدق. أما أن يعترف بأن بعض المواقف لا يمكن تجنبها، أو أن يختار السلامة على حساب المعنى.
التاريخ لا يتقدم فقط بانتصارات واضحة، بل أيضًا بتلك اللحظات التي يفشل فيها الناس في التهرب من أسئلتهم. اللحظات التي يصبح فيها الحياد موقفًا، والصمت قرارًا، والكلمة المحسوبة وزنًا أخلاقيًا. في هذه اللحظات، لا يكون المطلوب بطولات استثنائية، بل ثباتًا عاديًا، يوميًا، يرفض التطبيع مع الخطأ، حتى حين يبدو هذا الرفض بلا جدوى فورية.
الفقد، حين يُفهم على هذا النحو، لا يحوّل الإنسان إلى كائن حزين، بل إلى كائن يقظ. يقظ تجاه اللغة التي يستخدمها، وتجاه التبريرات التي يقدمها لنفسه، وتجاه الحدود التي يرسمها لما هو ممكن وما هو غير ممكن. كثير مما نعده مستحيلًا ليس كذلك، بل هو فقط مكلف أكثر مما نحب.
ولهذا، لا يطلب هذا النص من أحد أن يتبنى شعارًا، ولا أن ينخرط في خطاب جاهز. يطلب شيئًا أبسط وأصعب في الوقت نفسه. أن نرفض تحويل الفقد إلى عادة، وأن نرفض أن يصبح الغياب خبرًا قديمًا، وأن نحتفظ بحقنا في القلق، لأن القلق هنا ليس ضعفًا، بل علامة حياة.
في النهاية، لا قيمة لفقد لا يترك أثرًا، ولا معنى لبقاء لا يغير شيئًا. ما يعطي الفقد وزنه الحقيقي هو ما يفرضه علينا من أسئلة، وما يدفعنا إليه من مواقف. وحين نحسن الإصغاء إلى هذه الأسئلة، لا نكون قد خففنا الخسارة، لكننا نكون قد منعناها من أن تذهب هدرا.
بهذا المعنى، الفقد ليس خاتمة، بل عتبة. عتبة يدخل منها من اختار أن يكون حرًا، لا لأن الحرية سهلة، بل لأن البديل عنها، في لحظات كهذه، هو خسارة أكبر من أي غياب.

تعليقات
إرسال تعليق
أترك تعليق