بيان الحركة المدنية في ذكرى ثورة يناير: أسمعوا صوت مصر الحقيقية


في مثل هذا اليوم، منذ خمسة عشر عاماً، خرج شعب مصر الأبى لكتابة تاريخه مُجدداً، حيث امتزجت في شوارع "المحروسة"، أصوات الشباب الحالم بالحرية، مع روح الشيوخ الحكيمة، وهِمّة النساء الصامدات، لكي يبدع الجميع لوحة  إنسانيةً رائعةً، سُطِّرت آياتها في سِفر أمتنا الخالد، عبر وقائع "ثورة"شعبية نموذجية، استمرت لثمانية عشر يوماً، أذهلت العالم بمقوماتها السلمية السامية  وأهدافها الإنسانية النبيلة، تلك التي لخصها شعارها العظيم: "عيش ــ حرية ــ عدالة اجتماعية ــ كرامة إنسانية".

وعبر هذه السنوات الممتدة، تعرضت وقائع هذه الأيام العظيمة إلى مخططات معادية  موجّهة، ومُمنهجة، تستهدف سلبها مشروعيتها، وتشويه سُمعتها، بل والادعاء أنها كانت محض مؤامرة خارجية، يخون فيها الشعب، الذي خرج إلى الشوارع بالملايين، نفسه (!!)، لا فعل شعبي خالص لوطن ضاقت به سُبل الحياة، فخرج يطلب الكرامة والحرية، وكمبررٍ بائس للتنصل من تحمل مسؤولية الفشل، ألقيت على عاتق "الثورة" تهمة التسبب في كل الأخطاء  الفادحة ،والانحرافات الجسيمة، والفشل الواضح، الذي دفع بالشعب إلى هاوية البؤس والإفقار، وكبّلت إرادته بسلاسل الدين الفاحش.

وبعد خمسة عشر عاماً من "ثورة يناير" التي طالبت جموع الشعب فيها بـ "الحرية" والديمقراطية، ضاقت مظاهر هذه الحرية ضيقاً غير مسبوق، ولم تنفذ أية وعود بالإفراج عن سجناء الرأي الذين لم تتلوث أيديهم بدماء المصريين أو انتسبوا إلى جماعات إرهابية ملفوظة، ولم تتغيير القوانين القمعية التي تُكبل حركة المجتمع، بل زاد وضع الحريات العامة في المجتمع المصري سوءاً بتدخل السلطة التنفيذية في أعمال السلطة التشريعية، وجاءت الانتخابات الأخيرة، بمسارها ونتائجها، خير دليل على العوار الذي طال فكرة "الحرية" وواقعها في البلاد!

وها هي الذكرى الـ 15 لهذه الثورة المجيدة تحل على مصر وأهلها، في ظل أوضاع تحمل في طياتها تهديدات جسيمة لاستقلال الإرادة الوطنية، وتكشف عبث الترويج لوهم تحسُّن أحوال الشعب، بعد أن أصبح "العيش" عزيزاً، وابتعدت "العدالة الاجتماعية" أشواطاً بعيدة عن مصر وأهلها، في ظل سياسات مُعتمدة لا تخدم سوى أقلية محدودة، ومع ارتفاع مُعدلات الاستدانة إلى أرقام قياسية غير مسبوقة تستهلك جل دخل الدولة، دافعةً إلى تراجع إنفاقها على القطاعات الحيوية كالتعليم والصحة إلى حدود بائسة، وتفاقمت التحديات الاستراتيجية من حولنا، وضاقت الخيارات بحيث لم يعد من ملاذ إلّا بالارتماء في أحضان الذئب الأمريكي المُتعطش للدماء، بتكاليف هذه الخطوة الباهظة، التي لا قِبل للوطن على احتمالها!

والآن، ونحن نستدعي من تلافيف الذاكرة الوطنية الدروس المُستفادة والباقية  لواحدة من أنبل لحظات الوطن، نعيد التذكير والتحذير من العواقب الوخيمة المُترتبة على استمرار العمل بنفس الانحيازات الاجتماعية التي لا تخدم إلّا طبقة محدودة من المحاسيب والمحظوظين، على حساب أكثر من مائة مليون مصري، يضجون من استفحال النتائج الكارثية لهذه المُمارسات الفاشلة، التي أدت إلى تردي أغلب مناحي الحياة؛ للمواطنين الذين لا يجدون سبيلاً إلى معيشة كريمة تليق بمصر والمصريين، بعد أن اعتصرتهم "سياسات الجباية" المُعتمدة منذ أكثر من عشر سنوات، والتي بدأت بوادرها منذ منتصف السبعينيات.

أيها السادة الذين يحكمون شعبنا، ولا يستشعرون جراحنا وآلامنا، اسمعوا صوت مصر الحقيقية، لا مصر المهرجانات والإيهام: مصر الحقيقية تختنق، وتتجمع أسباب الغضب والنقمة تحت السطح، ولا يتصورن أحد أن بإمكانه السيطرة على غضب الشعب المكبوت، ومنعه من التعبير عن عذاباته الممتدة إذا ما نفذ مخزون صبره، وقد حق علينا أن نقول للجميع كلمة الحق، حفظ الله الوطن الغالي، وحماه من السوءات. 

#لساها_ثورة_يناير

تعليقات