السؤال يبدو للوهلة الأولى استفهامًا عابرًا، لكنه في حقيقته سؤال كاشف أكثر مما هو استفساري، لأنه لا يتوقف عند حدث ما، ولا عند خطأ بعينه، بل ينفذ مباشرة إلى دلالة الشراسة المصاحبة لكل ذكر له.
صدمتني إشارة صديق إلى أن حمدين صباحي ربما يكون الشخص الوحيد الذي يُشتم في كل أحواله؛ يُشتم إذا صمت، ويُشتم إذا تحدث. يُنقد إذا فعل وينتقد إذا لم يفعل، هنا لا يكون السؤال: لماذا يُهاجَم؟ فربما كانت هذه، في حد ذاتها، إحدى دلالات حضوره وقيمته الرمزية.
لكن السؤال الأهم، والأكثر إزعاجًا، هو: لماذا هذا القدر من الغضب المركّز؟ لماذا كل هذه الشراسة، بل هذا التوحش، في الإساءة إليه؟ ولماذا حمدين تحديدًا؟ ولماذا يتحول الخلاف معه، في كل مرة، إلى ما يشبه محاكمة أخلاقية لا تترك مجالًا للفهم أو التمييز؟
الإجابة، فيما أرى، لا يمكن اختزالها في سبب واحد، بل تتكشف عبر مستويات متداخلة، تتعلق بالسياسة بقدر ما تتعلق بالنفس، وبالذاكرة، وبالعلاقة الملتبسة بين الحلم وخيبته.
فحمدين صباحي لم يُعامَل يومًا بوصفه سياسيًا عاديًا، بل بوصفه رمزًا أخلاقيًا ومعنويًا لتيار حلم بالعدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني والديمقراطية. وحين يتحول الشخص إلى رمز، لا يعود الخطأ زلة بشرية قابلة للنقد، بل يُستقبل بوصفه خيانة متخيلة لصورة مثالية جرى الاستثمار النفسي فيها طويلًا.
كثيرون لم يغضبوا لأنه أخطأ، (وكلنا خطّاؤون) بل لأن الخطأ صدّع صورة كانوا يستندون إليها نفسيًا وسياسيًا.
من هنا يمكن فهم أن أقسى النقد لم يأتِ من الخصوم، بل داء بعضه من داخل تيار واسع ظل دائمًا حمدين أهم وجوهه.
الخيبة دائمًا أشرس من الخصومة؛ الخصم ينتقد ليُسقط، أما الرفيق السابق فينتقد لأنه يشعر أنه خُذل. وهنا يتحول النقد من تحليل سياسي إلى محاكمة وجدانية، من سؤال: «هل الموقف صحيح؟» إلى سؤال آخر أكثر قسوة: «كيف تجرؤ؟».
يزداد هذا الغضب حين يُضاف إليه موقع حمدين المربك ـ أحيانًا ـ خاصة في لحظة استقطاب حاد. ففي مناخ سياسي لا يعترف إلا بالاصطفاف الكامل، من يقف في المنطقة التي يرتضيها لنفسه يصبح عدوًاللجميع. لم بُحسب كليًا على السلطة، ولم يتحول إلى معارضة صدامية جذرية، فبدا للبعض مترددًا، ولآخرين متواطئًا، ولثالثين غير نافع. والوسط، في أزمنة الاستقطاب، يُجلد دائمًا أكثر من الطرفين.
غير أن الأمر لا يتوقف عند شخص أو مواقف بعينها. فكثير من الهجوم يتجاوز حمدين إلى محاكمة مشروع بأكمله؛ تصفية حساب مع التيار الناصري–الاجتماعي ذاته، ومحاولة لإثبات أنه لم يكن سوى وهم أو سذاجة أو فشل تاريخي.
لذلك لا يكتفون بنقد موقف، بل يسعون إلى نقض البنيان الرمزي الذي يمثله الرجل.
المفارقة اللافتة أن اعترافه المتكرر بأخطائه لم يُغلق الجرح، بل بدا وكأنه يوسّعه. لا لأن الاعتراف بلا قيمة، بل لأن كثيرين لا يبحثون عن مراجعة، بل عن إدانة نهائية. فالاعتراف لا يُجدي إلا حين يكون هناك استعداد للفهم والتفهم، أما حين يكون المزاج العام عقابيًا، يتحول الاعتراف نفسه إلى دليل إدانة إضافي.
في لحظة انسداد سياسي عام، ومع تآكل الأمل وتراجع البدائل، يصبح البحث عن كبش فداء حاجة نفسية قبل أن يكون موقفًا سياسيًا. وحمدين، بما له من تاريخ وحضور ورمزية، بدا هدفًا مثاليًا لتحميله أكثر مما يحتمل: إحباطات المعارضة، وخيبات الحلم، وانكسارات مرحلة كاملة.
في هذا الموضع، يصبح من الضروري أن أحدد موقعي بوضوح.
أكتب هذا وأنا أحاول أن أتجرد قدر ما أستطيع؛ لا أتجرد من صداقة عمر، فذلك مستحيل وغير مطلوب، بل أتجرد من الرغبة في الدفاع، لأنها ليست دافعي ولا تعنيني.
لست هنا محامي دفاع عن شخص، ولا معنِيًّا بتبرير موقف أو حماية صورة.
ما يعنيني، على وجه الدقة، هو الفهم: أن نفهم لماذا ينتقل النقد بسهولة إلى التجريح؟، لماذا تنفلت الخصومة إلى هذا الحد من الشراسة، ولماذا يتحول الاختلاف السياسي إلى إيذاء معنوي، لا إلى نقاش عام.
القلق الحقيقي ليس على حمدين صباحي، فهو شرب طويلًا من هذا النهر، واعتاد العواصف، وربما لم يعد الأمر يعنيه كما يعني غيره.
القلق علينا نحن، وعلى المجال العام حين يتآكل، وعلى السياسة حين تُختزل في تصفية حسابات، وحين يُستبدل النقد بالعقاب، والتحليل بالتخوين. في مثل هذا المناخ لا يسقط شخص، بل يسقط معنى السياسة ذاته.
لذلك فالشراسة ليست لأن حمدين أخطأ فقط، بل لأنه رمز خيّب آمالًا كبرى، وبقي خارج الاصطفافات المطلوبة، ويمثل مشروعًا يريد البعض دفنه، ويذكّر بمرحلة كان فيها الأمل ممكنًا.
الهجوم عليه، في جوهره، ليس نقدًا سياسيًا خالصًا، بل صراعًا على المعنى: معنى السياسة، ومعنى الحلم، ومعنى الفشل.
لهذا سيظل السؤال «لماذا حمدين؟» قائمًا، لأنه في العمق سؤال آخر: لماذا نغضب من مرآة تذكّرنا بما كنا نريد أن نكونه، وبأن الفشل لم يكن فشل شخص، بل فشلنا جميعًا في تحويل الحلم إلى سياسة، والأخلاق إلى ممارسة.
أَذْكُرُ أننا جميعًا خطّاؤون.

تعليقات
إرسال تعليق
أترك تعليق