معتز منصور يكتب : النفط كغنيمة سياسية وانهيار فكرة السيادة


ما قاله دونالد ترامب عن النفط الفنزويلي لم يكن زلة لسان ولا استعراضا شعبويا على منصات التواصل، بل كان تصريحا تأسيسيا يعكس تحولا عميقا في منطق القوة الامريكية وطريقة إدارتها للعالم. 

حين يعلن رئيس دولة كبرى أنه سيشرف شخصيا على بيع نفط دولة اخرى، ويتعامل مع العائدات بوصفها ملفا تنفيذيا داخليا، فنحن لا نكون امام ضغط سياسي ولا حتى عقوبات اقتصادية موسعة، بل امام لحظة نزع صريح لفكرة السيادة ذاتها، وتحويل الثروة الوطنية من مورد سيادي إلى غنيمة سياسية.

الفارق بين المورد السيادي والغنيمة ليس لغويا ولا اخلاقيا فقط، بل هو فارق بنيوي في فهم معنى الدولة. المورد السيادي يفترض وجود دولة، مؤسسات، قانون، حتى لو كانت هذه الدولة ضعيفة أو فاسدة أو متنازعة داخليا. الغنيمة تفترض غياب هذه الدولة، أو اعتبارها كيانا منتهيا الصلاحية، لا يملك حق التصرف في موارده. ما فعله ترامب هو أنه تجاوز كل المناطق الرمادية، ولم يتحدث عن وصاية مؤقتة ولا عن إدارة انتقالية ولا عن آلية دولية، بل تحدث بوضوح عن ملكية فعلية ناتجة عن القوة.

هنا تحديدا تظهر دلالة خطيرة في التصريحات الفنزويلية المستجدة. معظمها يتحدث عن السيادة، عن القانون الدولي، عن حق الشعب الفنزويلي في موارده. لكن هذه اللغة، رغم عدالتها، تكشف في الوقت نفسه عن مأزق عميق. حين تضطر دولة إلى التذكير بأن ثروتها هي ملك لها، فهذا يعني أن هذا الحق لم يعد بديهيا في النظام الدولي القائم. السيادة لم تعد معطى، بل صارت ادعاء يحتاج إلى دفاع، والدفاع نفسه لا يجد أدواته.

النفط في هذه اللحظة يتحول من عنصر قوة إلى نقطة ضعف. 

لعقود طويلة، كان النفط ورقة تفاوض، وأحيانا وسيلة ردع، وأحيانا مدخلا لبناء تحالفات. اما اليوم، ففي الحالة الفنزويلية، صار النفط هو سبب نزع السيادة لا ضمانتها. 

كلما كانت الثروة اكبر، زادت شهية القوة الكبرى للتعامل معها بوصفها غنيمة مشروعة. هذه مفارقة قاسية، لكنها واقعية في عالم لم يعد يحكمه ميزان القانون بل ميزان القدرة على فرض الوقائع.

تصريح ترامب يكشف ايضا عن تحول اخلاقي اخطر. نحن لسنا امام شر يحاول تبرير نفسه بلغة القانون، بل امام نظام يعيد تعريف الشر ذاته باعتباره مصلحة. 

الاستيلاء على النفط لا يقدم بوصفه نهبا، بل بوصفه إدارة رشيدة للموارد. القوة هنا لا تشعر بالحاجة للاختباء خلف خطاب حقوق الانسان ولا خلف قرارات دولية، بل تتحدث مباشرة، انا سأدير، انا سأبيع، انا سأقرر. 

حين تصل القوة الى هذه المرحلة، فهي لا تنتهك الاخلاق، بل تلغيها من القاموس.

في هذا السياق، تصبح تصريحات المسؤولين الفنزويليين اقرب الى شهادات تاريخية منها الى أدوات سياسية فاعلة. 

هي ضرورية للتوثيق، للتأكيد على أن ما جرى هو اعتداء، لكنها عاجزة عن تغيير المعادلة. 

وهذا العجز ليس عيبا في الخطاب الفنزويلي وحده، بل نتيجة منطقية لانهيار فكرة السيادة الدائمة على الموارد الطبيعية، تلك الفكرة التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية بوصفها درسا حضاريا لمنع تكرار منطق الغنائم الاستعمارية.

ما يجري اليوم هو تفكيك هادئ لهذا الدرس. دون اعلان رسمي عن نهاية القانون الدولي، ودون مؤتمرات كبرى، يجري تفريغه من مضمونه عبر الممارسة. 

حين تستولي قوة كبرى على نفط دولة اخرى وتعلن ادارة عائداته، ولا تواجه سوى بيانات قلق وادانات لفظية، فهذا يعني أن النظام الدولي دخل مرحلة ما بعد الردع القانوني. القانون لم يعد مانعا، بل مجرد سجل احتجاج.

الاخطر من ذلك ان هذا النموذج قابل للتكرار. اذا مر الاستيلاء على النفط الفنزويلي بهذه السهولة، فما الذي يمنع تكراره في اماكن اخرى تحت ذرائع مختلفة. محاربة الفساد، حماية الشعب، ضمان الاستقرار، كل هذه عناوين جاهزة لاعادة انتاج منطق الغنيمة في ثوب معاصر.

في المحصلة، نحن لا نعيش ازمة فنزويلا فقط، بل نعيش ازمة مفهوم الدولة نفسه. النفط هنا ليس مجرد مادة خام، بل مرآة تعكس كيف تنظر القوة الامريكية اليوم الى العالم. ليس كشبكة دول ذات سيادة، بل كخريطة موارد قابلة للإدارة المباشرة متى اختل ميزان القوة. وهذه ليست عودة الى القرون الوسطى كما قد يبدو للوهلة الاولى، بل انحدار اخطر، لانه يتم باسم العقلانية، وبخطاب إداري بارد، يقتل الاخلاق دون ان يرفع صوته.

تعليقات