د. أيمن خالد يكتب : حين قررت الإمبراطورية أن تسبق الانهيار


لم تعد الولايات المتحدة تتعامل مع فكرة تغيّر النظام الدولي بوصفها احتمالًا نظريًا، بل كمسارٍ واقعٍ لا يمكن إيقافه. التحولات في موازين القوة، تصدّع الشرعية الدولية، تآكل فعالية المؤسسات الأممية، وصعود الفاعلين من خارج المنظومة التقليدية… كل ذلك أوصل واشنطن إلى قناعة حاسمة: النظام الدولي الذي صاغته بعد الحرب العالمية الثانية مقبل على التغيّر، سواء رضيت بذلك أم لا.

غير أن الإدراك الأميركي الأخطر لم يكن في أن النظام سيتغيّر، بل في كيف سيتغيّر، ومن سيقوده. فالتغيير، إذا جاء عفويًا أو بتراكمات دولية خارجة عن السيطرة الأميركية، يعني هبوط الولايات المتحدة من موقع الإمبراطورية القائدة إلى مرتبة “دولة كبرى بين دول أخرى”. وهذا تحديدًا ما لا تقبل به واشنطن، لا سياسيًا ولا استراتيجيًا ولا نفسيًا.

من هنا، استدركت الإمبراطورية الأميركية مبكرًا أن التغيير لا بد أن يحدث، لكن بقيادتها، وبأدواتها، وتحت سرديتها.

الخطوة الجوهرية لم تكن عسكرية ولا اقتصادية في بدايتها، بل سردية. فقد أعادت الولايات المتحدة توظيف الرواية التي أتقنتها تاريخيًا: رواية “السلام”، “الاستقرار”، “إدارة الأزمات”، و“حماية العالم من الفوضى”. هذه الرواية ليست جديدة، لكنها اليوم تُستخدم بوظيفة مختلفة: الانتقال من نظام دولي قائم على القانون والمؤسسات إلى نظام قائم على الإدارة المباشرة للعالم.

هنا يبرز التحول الأخطر: لم يعد الحديث عن إصلاح مجلس الأمن، أو تطوير الأمم المتحدة، أو تحديث قواعد القانون الدولي. بل عن تجاوز كل ذلك نحو صيغة جديدة، تُدار فيها الأقاليم والأزمات والملفات كما تُدار الشركات الكبرى. عالم بلا سيادة مكتملة، بلا مساواة قانونية بين الدول، وبلا أوهام عن “الشرعية الدولية” بصيغتها الكلاسيكية.

في هذا السياق، لم يكن ما سُمّي بـ“مجلس إدارة غزة” إجراءً استثنائيًا فرضته حرب قاسية، بل نموذجًا تجريبيًا. غزة لم تكن قضية إنسانية فقط، بل ساحة اختبار لفكرة أوسع: هل يمكن إدارة إقليم كامل خارج مفهوم الدولة، وتحت غطاء دولي، وبقبولٍ دولي ضمني؟ الجواب العملي كان: نعم.

وحين يُقبل النموذج في غزة، يصبح قابلًا للتعميم.

اليوم، يأتي طرح "مجلس السلام" أو ما يُروَّج له بوصفه مجلسًا دوليًا جديدًا لإدارة النزاعات – ليكشف النية الكاملة. فالدعوة المعلنة للدول للانضمام ليست قائمة على مبدأ السيادة المتساوية، بل على منطق العضوية المشروطة العضوية هنا ليست حقًا دوليًا، بل امتيازًا إداريًا، بل وأكثر من ذلك: استثمارًا ماليًا.

أن يُطرح مبدأ دفع مليار دولار مقابل عضوية دائمة، أو نفوذ ثابت داخل هذا المجلس، فذلك يعني ببساطة أن العالم يُعاد تشكيله بمنطق “الأسهم” لا بمنطق “الدول”. من يملك يدفع، ومن يدفع يشارك، ومن لا يملك يُدار.

هذه ليست قطيعة مع النظام الدولي القديم فحسب، بل إعلان وفاة صامتة له.

وفي قلب هذا التحول يقف دونالد ترامب، لا بوصفه حالة شاذة، بل بوصفه التعبير الأكثر صراحة عن العقل الإمبراطوري الأميركي حين يخلع أقنعته. ما يعلنه ترامب اليوم بوقاحة سياسية، عملت عليه مؤسسات أميركية لعقود بصمت ودهاء. الفرق أن اللغة تغيّرت، لا الجوهر.

الولايات المتحدة لا تهرب من النظام الدولي لأنها ضعفت، بل لأنها أقوى من أن تُقيَّد بقواعده القديمة. وحين تشعر الإمبراطوريات أن القواعد لم تعد تخدم تفوقها، فإنها لا تصلحها، بل تستبدلها.

هكذا تُفهم اللحظة الراهنة:

ليست نهاية نظام دولي فحسب، بل بداية عالم تُدار فيه السياسة بعقلية “مجلس إدارة”، وتُختزل فيه السيادة إلى بند، وتُستبدل فيه العدالة بمفهوم الكفاءة، والقانون بمفهوم الفاعلية.

أما السؤال الحقيقي، فلم يعد: هل يتغيّر النظام الدولي؟

بل: من يملك الجرأة على رفض أن يُدار؟

تعليقات