قراءة في التحول الأميركي
لم يعد الخطاب الأميركي حول “تقليص الالتزامات” توصيفًا محايدًا لما يجري على الأرض، بقدر ما أصبح أداة سياسية–إعلامية لإعادة تسويق النفوذ الأميركي بصيغة أقل كلفة وأكثر مرونة. فبينما تتحدث الصحافة الأميركية عن إرهاق الداخل وتراجع الشهية للتدخلات الخارجية، يكشف الواقع الميداني عن استمرار انتشار عسكري، وحضور استخباري، وتدخّل سياسي واقتصادي في معظم بؤر التوتر العالمية.
هذا التناقض الظاهري لا يعكس ارتباكًا في الرؤية، بل يعكس تحوّلًا مقصودًا في طريقة إدارة القوة.
في هذا السياق، تتحدث The Washington Post عن ضرورة أن يتحمّل الحلفاء أعباءهم الأمنية، في خطاب يبدو للوهلة الأولى عقلانيًا ومتماشيًا مع المزاج الأميركي الداخلي. غير أن هذا الطرح لا يشير إلى انسحاب من مراكز القرار، بل إلى إعادة توزيع للأعباء، بحيث تبقى واشنطن في موقع المُنسّق والمُقرِّر، لا المنفِّذ المباشر.
ويتقاطع هذا الاتجاه مع ما يكتبه توماس فريدمان في The New York Times، حين يربط التحولات في السياسة الخارجية الأميركية بإرهاق الداخل اقتصاديًا واجتماعيًا. غير أن هذا الربط لا يعني تراجع الطموح الأميركي، بل إعادة توجيهه. فالإعلام هنا لا يدعو إلى الانكفاء، بل يهيّئ الرأي العام لتقبّل فكرة أن النفوذ يمكن أن يُمارس بأدوات أقل صخبًا وأكثر تأثيرًا، من دون حروب مفتوحة أو احتلال مباشر.
هذا التحليل لا ينطلق من مقارنة رقمية بين حجم الانتشار العسكري الأميركي وخطاب “التقليص”، ولا يفترض تعارضًا ميكانيكيًا بين القول والفعل، بل يميّز بين الخطاب بوصفه أداة تهيئة للرأي العام، والممارسة بوصفها إدارة عملية للنفوذ. وعليه، فإن التناقض بين حديث الانسحاب واستمرار الحضور لا يُقرأ بوصفه خطأ في التوصيف، بل بوصفه اتجاهًا إعلاميًا واعيًا، يهدف إلى إعادة شرعنة الدور الأميركي داخليًا، لا إلى نفيه خارجيًا. بهذا المعنى، فإن التحليل يقرأ اللغة السياسية والإعلامية في وظيفتها، لا في تطابقها الحرفي مع الوقائع الميدانية.
في الملف الإيراني، يتجلّى هذا الاتجاه بوضوح. فرغم الحديث المتكرر في الصحافة الأميركية عن تجنّب الحرب، تشير تحليلات Reuters إلى أن العقوبات، والضغط الاقتصادي، وإدارة التوتر عبر الوكلاء الإقليميين، ما تزال تمثل العمود الفقري للتعامل الأميركي مع طهران. هنا لا تنسحب واشنطن من المواجهة، بل تُبقيها دون سقف عسكري مباشر، مع تحميل المنطقة كلفة الاستنزاف الطويل.
أما في العراق، فتبدو الازدواجية أكثر وضوحًا. فبينما تتحدث مقالات رأي عن احترام السيادة وتقليص الوجود العسكري، تواصل الولايات المتحدة إدارة الملف العراقي بوصفه عقدة ربط بين إيران وسوريا والخليج. أوراق صادرة عن Brookings Institution تتعامل مع العراق كمساحة نفوذ يجب الحفاظ عليها سياسيًا وأمنيًا، ليس عبر الاحتلال، بل عبر التأثير في بنية القرار، والاقتصاد، والمنظومة الأمنية.
وفي سوريا، لا يدعو الإعلام الأميركي، كما يظهر في تحليلات Foreign Affairs، إلى تدخل عسكري واسع، لكنه يصرّ على بقاء واشنطن لاعبًا أساسيًا في رسم مستقبل البلاد، سواء عبر العقوبات، أو عبر التحكم بمسارات التسوية، أو من خلال الشراكات مع قوى محلية. الحديث عن “عدم الانخراط” هنا لا يعني الغياب، بل يعني إدارة الصراع من مسافة محسوبة.
أما تركيا، فتُقدَّم في الإعلام الأميركي بوصفها حالة مركّبة لدولة حليفة لكنها مستقلة القرار. تحليلات صادرة عن مجلس العلاقات الخارجية Council on Foreign Relations تشير إلى أن واشنطن لم تعد تسعى إلى ضبط أنقرة بالكامل داخل الإطار الغربي التقليدي، بل إلى احتواء دورها ومنع تحوّله إلى تحدٍّ استراتيجي. مرة أخرى، لا انسحاب ولا قطيعة، بل إعادة تعريف للعلاقة بما يخدم ميزان القوة الأميركي.
وفي فلسطين، تبدو المفارقة أكثر حدّة. فبينما تتزايد الأصوات النقدية داخل أعمدة رأي في نيويورك تايمز وواشنطن بوست تجاه السياسات الإسرائيلية وتداعياتها الأخلاقية، يبقى الدعم السياسي والعسكري الأميركي قائمًا. الإعلام، في هذه الحالة، لا يغيّر السياسة، لكنه يعيد صياغة السردية بما يسمح باستمرارها دون صدام داخلي واسع، عبر تحويل القضية من اختبار أخلاقي إلى ملف إدارة أزمات.
الخلاصة أن الولايات المتحدة لا تنسحب من النظام الدولي، بل تعيد هندسة طريقة حضورها فيه. والإعلام الأميركي يؤدي هنا وظيفة مركزية: ليس نقل الوقائع فحسب، بل تهيئة الوعي الجمعي الأميركي والعالمي لتقبّل هذا التحول بوصفه عقلانيًا وضروريًا.
ليست واشنطن اليوم أقل حضورًا، لكنها أقل صخبًا. أقل تدخلًا مباشرًا، لكنها أكثر اعتمادًا على شبكات النفوذ، والعقوبات، والتحالفات المرنة، وإدارة الصراعات بالوكالة. وهذا بالضبط ما تكشفه قراءة اتجاهات الرأي: تحوّل في أدوات السيطرة، لا في موقعها.

تعليقات
إرسال تعليق
أترك تعليق