لقد كان الطوفان اللحظة الكاشفة. أما ما تلاه، فقد بدأ منذ أن اتخذت الولايات المتحدة قرارًا غير معلن بإعادة تصميم الشرق الأوسط بأدوات ناعمة وخشنة، تتنوع بين السلاح والمفاوضات، وبين المجاعة وإغاثات مشروطة.
وها هي غزة – التي لم يبق منها شيء إلا الإرادة – تتحول الآن إلى بوابة صراع جيواستراتيجي جديد، عنوانه: من يملك القرار في الممرات البحرية والسيادة البرية في أخطر مساحة جغرافية على المتوسط؟
أولًا: ما هو مجلس السلام… ولماذا الآن؟
في خضم الركام، أعلن البيت الأبيض عن “مجلس السلام”، بوصفه الآلية الدولية المعتمدة لتنفيذ المرحلة الثانية من خطة ترامب في غزة، وسط زخم ديبلوماسي مكثّف، وبيئة أمنية هشّة.
لكن من يقرأ التشكيلة يدرك أن هذا المجلس ليس هيئة خيرية ولا بعثة سلام. إنه:
• تحالف من رجال السياسة والمال والاقتصاد والمخابرات.
• يضم: توني بلير (المُجرّب في العراق)، جاريد كوشنر (عرّاب صفقة القرن)، ستيف ويتكوف (عرّاب الإعمار بالخصخصة)، مارك روان (الملياردير اليهودي الأميركي).
• يُسند المهام للجنرال الأميركي جاسبر جيفرز لقيادة القوة الدولية في غزة، التي وُصف دورها بـ”إزالة البنى التحتية العسكرية” أي نزع السلاح الكامل.
الهدف الحقيقي: إنتاج نظام حكم هجين في غزة، بلا مقاومة، وبلا ذاكرة، وبلا عمق سياسي، يكون قابلاً للتطويع الاقتصادي والتوجيه الجغرافي في آنٍ واحد.
ثانيًا: هل هذا مشروع أميركي أم إسرائيلي؟
الخطأ الأكبر هو تخيّل أن إسرائيل هي من يقود هذا المشروع. الحقيقة أن إسرائيل – رغم دورها الكبير في التخريب – تتحول تدريجيًا إلى أداة تنفيذية بيد واشنطن.
• إسرائيل نفذت الحرب.
• لكن من رسم خرائط ما بعدها هو البيت الأبيض.
• بدليل أن خطة ترامب من 20 بندًا – تبنّاها مجلس الأمن – وتشكّل على أساسها مجلس السلام و”اللجنة الوطنية لإدارة غزة”.
ومن يقارن بين هذه الخطة، وبين مشروعات إدارة العراق بعد 2003، يجد تطابقًا في البنية: مجلس دولي، لجنة تكنوقراط، قوة استقرار، ملف استثمار… لكن بلا سيادة وطنية حقيقية.
ثالثًا: لماذا غزة؟
غزة ليست مجرد ساحة حرب. إنها نقطة تقاطع طرق استراتيجية، ومنطقة مفتاحية في صراع الممرات العالمية:
• تطل على البحر المتوسط.
• تقع قرب قناة السويس.
• على خط مباشر مع ممرات الغاز شرق المتوسط.
• قريبة من خطوط التحكّم بالبحر الأحمر، وباب المندب، وخليج عدن.
من يسيطر على غزة، يمتلك القدرة على مراقبة أو تعطيل أو تمرير سلاسل التصدير من آسيا إلى أوروبا.
غزة هي الجبهة البحرية الخلفية لمعركة البحر الأحمر، ولولا ذلك لما خُصص لها هذا الحجم من التخطيط العسكري والاقتصادي والدبلوماسي.
رابعًا: من يدير غزة اليوم فعليًا؟
بالمعطيات، لا تزال إسرائيل تحتفظ باليد العليا ميدانيًا: طيران، استطلاع، خروقات شبه يومية. لكنها – وللمرة الأولى – تسلّم الملف المدني لجهة دولية تمثّل القوة الأميركية، مع حلف إقليمي مختار بعناية (تركيا، قطر، مصر، الإمارات).
هذا الترتيب يشي بأن المطلوب نقل العبء من إسرائيل إلى الحلفاء دون خسارة السيطرة الاستراتيجية.
وفي العمق، فإن إدارة غزة لا تعني فصلها، بل إعادة تعريف سيادتها ضمن شبكة المصالح الأميركية–الإسرائيلية، حيث يكون الفلسطيني متلقيًا للإدارة، لا شريكًا في إنتاجها.
خامسًا: الجغرافيا كوثيقة سيطرة – لماذا غزة؟
السؤال الأكثر عمقًا: لماذا كل هذا الجهد لغزة؟
الجواب ليس إنسانيًا، بل جيو–استراتيجيًا:
• غزة تمثّل ضلع السيطرة على شرق المتوسط.
• قربها من العريش ورفح يمنحها أهمية قصوى على ممرات التجارة عبر البحر الأحمر–قناة السويس.
• شريطها الساحلي – رغم ضيقه – هو قاعدة مراقبة محتملة لحركة الطاقة (الغاز، النفط).
• موقعها يجعل منها نقطة إقلاع إجباري لأي مشروع لربط الخليج بأوروبا أو تمرير الغاز الإسرائيلي.
• التحكم في غزة يعني امتلاك مفتاح الجغرافيا من باب المندب حتى هرمز مرورًا بالسويس.
وبالتالي، فإن “مجلس السلام” هو الترجمة الحديثة لنموذج “المندوب السامي”، حيث يُدار الإقليم من الخارج، لكن بلغة السوق لا لغة البنادق.
سادسًا: الغائب الحقيقي عن هذا المشهد
وسط هذه التركيبة المحكمة، من هو الغائب؟ الشعب الفلسطيني.
• السلطة الفلسطينية تُستدعى عبر حسين الشيخ لتكون جزءًا من المشهد، لا صاحبة القرار.
• والمقاومة تتهيأ لتسليم المؤسسات للحكومة التكنوقراطية تحت إشراف مجلس دولي لا يُشاورها في الخيارات.
هنا نطرح السؤال: هل أصبح قرار غزة يُدار من الخارج؟
نعم، ولو جزئيًا. لكن هذا لا يعني أن الشعب بلا تأثير، بل أن لحظة التحوّل تتطلب يقظة شاملة، لا تقتصر على الميدان، بل تمتد إلى إعادة تعريف المشروع الوطني الفلسطيني ضمن شروط العصر، لا صراعات الماضي.
سابعًا: التبعات الإقليمية والدولية – لمن تقرع الأجراس؟
سيطرة أميركا على غزة ليست شأنًا فلسطينيًا فقط. إنها تعني:
• تحييد تركيا من التنافس على دور مستقل في غزة (رغم مشاركتها الرمزية).
• إقصاء الصين وروسيا عن واحدة من أهم ساحات المتوسط.
• تكريس الخليج العربي – ممثلًا بالإمارات وقطر – كأداة ضبط للمشروع لا صانع له.
• تقييد دور مصر ضمن حزام رقابة لا يسمح بتجاوز الخطوط الأميركية.
المشهد لا يعني فقط حكم غزة، بل يعني إدارة حركة الشرق الأوسط، من مضائق البحار حتى غرف القرار المالي العالمي.
ثامنًا: غزة والمستقبل الفلسطيني… ضياع العائدية؟
حين تُدار غزة من مجلس دولي، ويُسلَّم فيها الحكم للجنة مؤقتة، وتُشرف عليها قوة أميركية، فإن:
• سيادة السلطة الفلسطينية تصبح “هامش تفاوضي”.
• ودور الفصائل يُختصر في “الامتثال أو الإقصاء”.
• وتصبح غزة كأنها كيان مخصص للإدارة من خارج الجسم الفلسطيني الجامع.
هنا تكمن الكارثة السياسية الكبرى: ضياع العائدية الجغرافية، وتحويل غزة من جبهة تحرر إلى مختبر سياسي.
ختامًا: أين العقل السياسي الفلسطيني من هذا كله؟
هنا مربط الفرس. بين من يسلم السلطة، ومن يحتفظ بالسلاح، ومن يدير الأنفاق، ومن يفاوض في الغرف الخلفية، هناك فراغ استراتيجي في عقل القرار الفلسطيني.
ليس المطلوب التشكيك، بل التقييم. وليس المطلوب الصدام، بل إعادة بناء معادلة فلسطينية قادرة على:
• فهم التغيرات.
• التكيّف دون التنازل.
• إثبات أن “غزة” ليست مجرد ملف إداري، بل قضية سيادية لا تُباع تحت عناوين الخدمات والحوكمة.
وحده الوعي العميق بالمخططات، دون انفعال، القادر على تحصين المشروع الوطني من التفتيت الناعم.
ومن لم يتعلم من قصة “مجلس الحكم الانتقالي في العراق”، فليقرأ اليوم “مجلس السلام في غزة”، حيث تختلف اللغة، وتتشابه اليد التي تُدير من وراء الستار.

تعليقات
إرسال تعليق
أترك تعليق