حين يجبرك المسرح أن تعترف بمكانك فى الحفلة
ذهبتُ إلى مسرح الغد بدافع الفضول أولًا، وبشغفٍ مؤجَّل للمسرح، وعدتُ منه محمّلًا بحزنٍ خفيف… حزن لأنني شاهدت عرضًا تمنّيت لو كانت أيدي أبنائي في يدي، ولو كانت زوجتي تجلس إلى جواري، لا لتشاهد مسرحية فحسب، بل لتدخل معي هذا السؤال المفتوح عن العالم، عن العنف، عن الحرب، عن الدمار، وعن الإنسان وهو يضحك في المكان الخطأ.
كان ذهابي في الأساس بدافع شخصي؛ صديقى العزيز محمد العشماوي يقف على الخشبة. ورغم أن اسمه وصورته يتصدّران أفيش العرض، تعمدتُ ألا أصفه بأنه “أحد أبطال المسرحية”، لأن حفلة الكاتشب لا تعترف بفكرة البطل.
هنا، البطولة حالة جماعية، تفصيلة تتجاور مع تفصيلة، نَفَس ممثل، كلمة شاعر، ضربة إضاءة، نغمة موسيقى، خطوة جسد في استعراض، قطعة قماش في زي، فراغ محسوب في ديكور، ورؤية إخراجية ينساب خلفها فريق كامل، تحت إشراف مبدع يعرف أن المسرح لا يُدار، بل يُصغى إليه… سمير العصفوري.
الكاتشب في هذا العرض ليس دعابة عابرة، ولا إكسسوارًا لافتًا للعين، بل دمٌّ أُعيدت صياغته، دُمِّر معناه الإنساني ثم أُعيد تقديمه في زجاجة أنيقة، دمٌ تحوّل إلى منتج، وحربٌ تحوّلت إلى عرض، وموتٌ يُقدَّم بابتسامة وفي طبق يصلح للتصوير.
تقول المسرحية، دون أن تصرخ: إن عالمنا المعاصر يتعامل مع العنف كما يتعامل مع الصوص؛ نضيفه حين نحتاج نكهة، نخفّفه إن زاد، ثم نواصل الأكل…كأن شيئًا لم يكن.
لا تقدّم حفلة الكاتشب شخصيات مكتملة، بل أدوارًا وظيفية داخل ماكينة كبرى. فالقاتل ليس وحشًا، بل منفّذ تعليمات. والضحية ليست أسطورة، بل رقمًا قابلاً للاستبدال. أما المتفرّج… وهو الأخطر، فليس بريئًا كما يظن، بل شريك بالصمت، وبالتصفيق أحيانًا.
إنها رؤية فلسفية موجعة ترى الإنسان الحديث وقد تحوّل إلى ترس صغير داخل منظومة عملاقة؛ منظومة تبرّر القتل باسم النظام، وتُجمّل الطاعة باسم الواجب، وتمنح الحياد قناع العقلانية…بينما الحقيقة تُنزف بهدوء وتُسكب فوق المسرح كاتشبًا أحمر.
مسرحية «حفلة الكاتشب» لا تقدم نفسها بوصفها خطابًا سياسيًا مباشرًا، ولا ترفع لافتة أخلاقية جاهزة ضد الحرب أو العنف. على العكس، تختار أن تفتح أبوابها كـ حفلة؛ أضواء، موسيقى، استعراضات، وضحك عابر… ثم تترك المتفرّج يكتشف متأخرًا أنه يجلس في قلب مجزرة رمزية، وأن ما يُسكب على الخشبة ليس مجرد كاتشب، بل استعارة فجة للدم حين يُفرّغ من معناه الإنساني.
عنوان المسرحية ليس ساخرًا للزينة، بل مفتاح العمل.
الكاتشب، هذه الصلصة الصناعية التي تشبه الدم في اللون وتخلو منه في الجوهر، يصبح رمزًا لعصر يعتاد العنف بعد تعليبه وتقديمه في صورة قابلة للاستهلاك. الدم هنا لا يُنزف، بل يُقدَّم. لا يصرخ، بل يُزيّن المشهد. وكأن المسرحية تقول إن أخطر ما في العنف المعاصر ليس وحشيته، بل قابليته للتحويل إلى منتج، إلى صورة، إلى عرض ممتع لا يثير سوى التصفيق.
اعتمدت المسرحية على تصادم مبهر بين الشكل والمضمون. فالأغنية خفيفة، بينما الفكرة ثقيلة. والحركة استعراضية، بينما المعنى جنائزي. والضحكة تنطلق بعفوية بينما الدموع ملء الجفون هذا التناقض لا يعمل فقط كوسيلة جذب، بل كفخ جمالي؛ فالمتفرج ينجذب أولًا، ثم يُصدم بإدراكه أنه يضحك في موضع لا يحتمل الضحك.
هنا لا يكون الضحك فعل متعة، بل فعل إدانة للمتلقي الذي اعتاد مشاهدة العنف من مسافة آمنة، عبر شاشة أو خشبة، دون أن يسأل عن دوره في إعادة إنتاج هذا المشهد.
الحرب تتكرّر، الأسباب تتغيّر، والنتائج واحدة. وفي هذا التكرار تفقد المأساة فرادتها، وتتحوّل إلى طقس دوري… إلى حفلة.
أحد أهم رهانات «حفلة الكاتشب» هو وعيها بذاتها كمسرح العرض لا يخفي كونه عرضًا، بل يفضحه، هذا الوعي الذاتي يضع المشاهد أمام مرآة مزدوجة: هو يشاهد ممثلين يؤدّون أدوارًا، لكنه في الوقت ذاته يشاهد نفسه وهو يؤدّي دور المتفرج السلبي.
وهنا يصبح السؤال المركزي:
هل نحن نشاهد العنف، أم نتدرّب على تقبّله؟
نحن امام عبث، ليس لغياب المعنى بل فائضه. كل شيء مبرّر، وكل شيء يحدث بسلاسة مريبة، وكأن الجنون لم يعد صادمًا لأنه أصبح هو القاعدة.
لا تنتهي «حفلة الكاتشب» بإجابة، ولا تمنح خلاصًا أخلاقيًا مريحًا. تنتهي بسؤال معلق في الهواء، وبإحساس غير مريح بأن التصفيق قد يكون جزءًا من المشكلة. إنها مسرحية لا تطلب من جمهورها أن يغيّر العالم، بل تطلب منه شيئًا أبسط وأصعب في آن: أن يعترف بمكانه في الحفلة.
لم يكن العرض مُحمّلًا بالإمكانات،لكنه كان مُشبَعًا بالدهشة. قدّم ما يكفي ليأسر العين ويوقظ القلب، وأتمنى أن يتم تصوير العرض ليظل حيًّا ويصل إلى جمهور أوسع، ولا ينتهي بانطفاء أضواء الخشبة


تعليقات
إرسال تعليق
أترك تعليق