محمد حماد يكتب : من حسام حسن إلى البرلمان دولة الفتي بلا رؤية


في كل مرة يدخل فيها المنتخب المصري إلى ساحة المنافسة القارية، يتكرر المشهد ذاته: قبل البداية تنهال التعليقات والتكهنات، يعلو صوت التشكيك، ويُحكم على المدرب واللاعبين بالفشل قبل أن تُطلق صافرة البداية. 

هكذا كان الحال مع حسام حسن، الذي وُصف بأنه "مش قدها"، وأن فريقه لن يصمد أمام كبار القارة. لكن ما إن وصل المنتخب إلى نصف النهائي حتى انقلبت الموازين، وارتفعت أصوات المديح، وتحوّلت التحليلات إلى أناشيد تمجيد، وبدأت التطلعات إلى كأس غابت عن مصر منذ 2010.

هذه الظاهرة ليست مجرد حالة رياضية، بل هي انعكاس لمرض مزمن ينهش جسدنا الجمعي في الرياضة والسياسة والاقتصاد والاجتماع. 

كل شيء عندنا يخضع للآراء الشخصية، للفتي بلا علم، وللارتجال الذي يُسوّق على أنه "ذكاء شعبي" أو "بركة دعاء الوالدين".

منطق اللحظة عندنا يطغى على منطق المؤسسة:

في الرياضة نُحوّل المدرب بين ليلة وضحاها إلى بطل أسطوري أو كبش فداء، متناسين أن اللعبة في جوهرها منظومة متكاملة من التخطيط والإدارة والموارد. 

وفي السياسة نُعلّق الآمال على زعيم أو خطيب، ونغفل عن بناء مؤسسات قادرة على الاستمرار بعد الأفراد. 

أما في الاقتصاد فنظل ننتظر "معجزة" أو "فرصة ذهبية"، بدلًا من الاستثمار في التخطيط طويل المدى والابتكار. 

وفي الاجتماع نُفسّر الظواهر بالانطباعات السريعة، ونهمل الدراسات والبيانات، فنظل ندور في حلقة مفرغة من التكرار. 

هكذا يتجلى مرض الارتجال في كل ميدان، حيث تُستبدل الرؤية المؤسسية بالانفعال اللحظي، ويُستبدل التخطيط بالانتظار السلبي.

ما يحدث في المدرجات هو نفسه ما يحدث في البرلمان أو في الأسواق. 

الجمهور يصفّق أو يهاجم بناءً على اللحظة، لا على الرؤية. التحليل عندنا ليس علمًا، بل هو انطباع يُقال في مقهى أو يُكتب على مواقع التواصل. 

وهكذا تتحول الرياضة إلى مرآة لثقافة أوسع: ثقافة الارتجال، ثقافة الصوت العالي، ثقافة "البركة" بدلًا من التخطيط.

إذا أردنا أن نخرج من هذا المأزق، فعلينا أن نعيد الاعتبار لقيم أساسية غابت عن وعينا الجمعي. 

أولها المعرفة، بحيث يصبح التحليل قائمًا على بيانات ودراسات لا على الانطباعات العابرة. 

وثانيها المؤسسات، إذ ينبغي أن ننظر إلى الفريق أو الحزب أو الشركة باعتبارها منظومة متكاملة لا مجرد أفراد يتصدرون المشهد. 

أما التخطيط، فهو الطريق الذي يحررنا من انتظار المعجزات ويقودنا إلى بناء خطوات واقعية طويلة المدى. 

وأخيرًا المساءلة، التي تفرض أن نحاسب على النتائج لا على الشعارات، وأن نربط القول بالفعل حتى لا يبقى الخطاب مجرد صدى فارغ في فضاء عام يفتقر إلى الثقة.

الملعب ليس مجرد ساحة رياضية، بل هو مسرح جماهيري يكشف عيوبنا ويعرّي ثقافتنا، وحسام حسن ليس سوى مثال حي على كيف نُسقط أمراضنا الجمعية على الأفراد. 

إذا أردنا أن نربح الكأس في الرياضة أو السياسة أو الاقتصاد، فعلينا أن نُغيّر قواعد اللعبة: من ثقافة الفتي والارتجال، إلى ثقافة المعرفة والتخطيط. عندها فقط، لن يكون الفوز مجرد صدفة أو "بركة"، بل ثمرة عمل مؤسسي يستحق أن يُخلّد.

#حسام_حسن

#محمد_صلاح

تعليقات