منذ أن كتب أفلاطون وأرسطو أن العبودية ضرورة لنهضة أي أمة لأنها المنوط بها الجزء العملي في بناء الحضارات، منذ ذلك الحين ترسخت في العقلية الأوربية تلك الفلسفة التي دعمها نمط اقتصادي وسياسي يقوم على حكم الأغنياء أو علي أقل تقدير حكم نخبة من الطبقة الوسطي لصالح طبقة الأغنياء..
استمر هذا المنطق طوال العصور الوسطي، فهذا مارتن لوثر يدعو النبلاء بضرب الفلاحين الذين تمردوا، ضربهم بلا رحمة حتى تطفر من أنفوهم الدماء.. وهذا مكيافيللي يدعو لاستخدام كافة الوسائل الشرعية وغير الشرعية للحفاظ على السلطة.. فعل ذلك هوبز أيضا.. واستمر هذا المنطق سائدا طوال حقبة الاحتلال الأوربي للعالم، فاستنزاف الموارد الطبيعية ونقل العبيد من الجنوب إلى الشمال كان هو القاعدة الكبرى التي قامت عليها النهضة الأوربية عبر أكبر عملية نهب في التاريخ..
ترامب لم يختلف كثيرا عن هؤلاء القادة منذ الاسكندر مرورا بنابليون وهتلر وجورج بوش الأب والابن من حيث الرغبة في الاستحواذ على ثروات العالم وتحويل كل البشر إلي عبيد وفقا لنظرية أفلاطون القديمة.. هذا هو سياق الحدث الفنزويلي..
ولكن المثير للدهشة أيضا.. أن المتأمل في المعاهدات والقانون الدولي سيجد أنها تمت في لحظات حرجة في التاريخ، بمعني أنها تمت دون رغبة أممية حقيقية بل تحت تهديد السلاح، فعصبة الأمم كانت تعبير عن تقسيم نفوذ بين الدول الاوربية الكبرى، والأمم المتحدة كانت نتاج مكتسبات الحرب العالمية الثانية، وهكذا أيضا معاهدات الصلح التي تمت منذ معارك أثينا والفرس وحتى يومنا هذا، قامت بعد أن تشبعت المدافع..
وفي تقديري أن تصوراتنا عن القانون الدولي أو حق الشعوب في تقرير مصيرها، لا تستطيع أن تصمد إمام نظرية المصلحة.. وأنه لا يوجد برهان تاريخي واحد على أن كل قوة غاشمة في التاريخ لم تستخدمها في مواجهة الآخرين.. الرومان والفرنسيين والانجليز والالمان والامريكان ...الخ قاموا بتصريف شئون قوتهم في صورة طلقات في رؤوس الجميع.
ما يتجاهله البعض أحيانا.. أن النظام الرأسمالي قائم أساسا على نظرية العبودية هذه، حتى وإن اختلفت صورتها اليوم عن القرن الرابع قبل الميلاد، والعبودية هنا هي تصور أقلية أن لها الحق في استباحة ممتلكات الغير وقوة عمل الغير وثروات الغير.. وبموجب هذا الحق يتم استخدام القوة.. فالإدارة الامريكية الحالية ليست مجرد عصابة منحرفة تخالف ما يسمي بالقانون الدولي، ولكنها جماعة تعبر بصدق عن منطق ظل هو السائد على مدار 2400 سنة تقريبا.. إن تاريخ الرأسمالية هو تاريخ سلب ونهب واحتلال وتدمير وتشويه وما فعله ترامب ورجاله يؤكد هذا المسار المخجل.. ولذلك فالمناجاة الأخلاقية أو القانونية أو الإنسانية.. هي مجرد مسكنات نحاول أن نهرب بها من هذا الواقع.. فكما قال ماركس وانجلز: ليس مهما أن نفسر العالم بل أن يجب علينا أن نغيره.. والتغيير لن يتم بالمسار الحقوقي أو الأخلاقي..

تعليقات
إرسال تعليق
أترك تعليق