لم تكن معركة الاثني عشر يوما مواجهة من طرف واحد، ولا اختبارا لصبر إيران فحسب، بل كانت لحظة كشف متبادل لأوجه القوة والضعف عند جميع الأطراف. لم يكن هناك نصر مطلق أو تفوق عسكري ساحق، بل تبادل للأذى وتجربة للقدرة على الصمود والتكيف مع الضغوط المفاجئة. كل طرف خرج بتقديرات جديدة حول قدراته وحدود خصمه، وكل مناورة وكل ضربة تركت أثرًا ليس فقط على الأرض، بل في الوعي الاستراتيجي، وأعادت تعريف ما يعنيه الردع والقدرة على المناورة في بيئة حرب معقدة ومتعددة الأبعاد.
إسرائيل خرجت مثقلة بضرر لم يكن معتادا في حروبها القصيرة. العمق لم يعد محصنا كما في السرديات السابقة، والجبهة الداخلية لم تعد مطمئنة كما يفترض في عقيدة الأمن الإسرائيلية. القلق، الارتباك، وتعطل إيقاع الحياة، كلها عناصر أصابت جوهر الردع، لأن الردع في النهاية ليس معادلة عسكرية فقط، بل شعور جمعي بالحصانة. حين يتصدع هذا الشعور، يصبح أي تفوق تقني أقل قدرة على إنتاج الطمأنينة.
أما الولايات المتحدة، فكانت إصابتها من نوع آخر. لم تُهزم عسكريا، لكنها عجزت عن تقديم الصورة التي اعتادت تصديرها للعالم، صورة النصر الواضح القابل للاستهلاك السياسي والإعلامي. غاب المشهد الختامي الذي يختصر الحرب في لقطة واحدة: استسلام، تغيير سلوك، أو إعادة رسم قواعد الاشتباك بشكل قاطع. ما بقي كان إدارة أزمة بلا ذروة، وقوة بلا سردية، وهي حالة نادرة في التاريخ الأميركي الحديث.
في المقابل، لم تكن إيران خارج دائرة الألم، لكنها نجحت في كسر موقع المتلقي الصامت. الأذى الذي أصاب إسرائيل، مهما اختلفت التقديرات حول حجمه، كان كافيا لإدخال الشك إلى وعي الخصم، والشك هنا ليس تفصيلا، بل عنصر تفكيك بطيء لمنظومة الردع. إيران لم تنتصر، لكنها فرضت حقيقة واضحة: أنها قادرة على إيلام من يضربها، وأن تكلفة المواجهة لن تكون أحادية الاتجاه.
بهذا المعنى، لم تُحسم المعركة لصالح طرف بعينه. كانت مواجهة جراح لا مواجهة انتصارات. لكنها حملت تحولا أعمق: أن القوة الساحقة لم تعد وحدها قادرة على إنتاج معنى النصر، وأن القدرة على ترك أثر في جسد الهيمنة باتت كافية لإرباك سردياتها. الحرب لم تعد حدثا عسكريا عابرا، بل لحظة إعادة تعريف لما يعنيه أن تنتصر أو أن تفشل في عالم لم يعد يعترف بالنهايات الواضحة.
اليوم، مع كل حركة جوية، كل شحنة معدات، وكل تجهيز فرق الإنقاذ، يزداد الشعور بأن ساعة الصفر قد تكون على الأبواب، لكن الانفجار العسكري المحتمل لن يحسم المعركة وحده، ولن يمنح الخصوم صورة نصر مكتملة. كل ضربة، مهما بلغت شدتها، ستواجه بصمود مدروس، وبقدرة على تحويل أي تهديد إلى فرصة لإعادة ترتيب المسرح. إيران وحلفاؤها يعرفون كيف يحولون أي خطوة خاطئة للخصم إلى تكلفة فورية، وكيف يجعلون كل تحرك عدائي جزءا من لعبة أكبر، حيث ليست القوة في حجم الهجوم، بل في القدرة على التحكم في تبعاته.
ساعة الصفر ليست مجرد لحظة تصادم، بل اختبار لكل من يظن أن الضربة الأولى تعني النهاية، وللكل من يظن أن التفوق العسكري وحده يترجم إلى نصر. هنا يبدأ الحساب الحقيقي: من سيترك أثرا، ومن سيجد نفسه مجرد متفرج أمام قدرة الخصم على فرض معادلاته، ومن سيكتب رواية ما بعد اللحظة التي لم تقع بعد. وفي انتظار هذا الانفجار، يصبح كل تحرك، كل تجهيز، كل قرار في السماء والأرض، جزءا من المعركة على المعنى قبل المعركة على الأرض، وكل ثانية تمر تثبت أن الصمود والقدرة على المناورة ليسا مجرد خيار، بل عنصر جوهري في فرض النتيجة قبل وقوعها.
الصحفي الإيراني محمد غروي يوضح ذلك بجلاء: إيران اليوم في ذروة الجاهزية، وعبارة «الأيادي على الزناد» و«الصواريخ مُبرمجة على الأهداف» ليست بروباغندا، بل تعبير عن واقع متكامل. الأوامر صدرت، والقوى منتشرة في مختلف المدن، جميعها في انتظار بدء المواجهة. هذه المرة، لم يعد هناك حذر معقلن لعدم كشف القدرات. كل خطوة محسوبة، وكل قدرة محفوظة للحظة المواجهة الحقيقية.
ما يميز هذه المرحلة عن حرب الاثني عشر يوما هو التحول الذهني الاستراتيجي. لم يعد هناك انتظار لصدمة مفاجئة، بل استعداد لإدارة الحرب قبل حدوثها، فرض الردع قبل إطلاق الصواريخ، وإظهار أن أي هجوم على إيران لن يكون من دون تكلفة فورية ومرئية على الخصم. حتى التحركات الأمريكية، رغم ما توحي به من قوة هجومية، فهي في حقيقتها إجراءات وقائية، إذ يدرك الطرف الآخر أن أي خطأ أو تهور قد يقلب الطاولة بالكامل.
وهكذا يصبح انتظار الحرب على إيران انتظارًا لإعادة تعريف النصر والخسارة. ليست الضربة الأولى هي التي تحدد المعادلة، بل القدرة على فرض المعنى، على قلب التوقعات، وعلى ترك أثر يفرض إعادة الحساب على الخصم قبل أن يبدأ الهجوم فعليا. كل ساعة تمر تثبت أن إيران ليست مجرد خصم ضعيف يمكن ترويضه بالقوة وحدها، وأن أي حرب محتملة ستكون اختبارا للقوة، الصمود، والقدرة على تحويل التهديد إلى استراتيجية ناجحة قبل وقوعه وبعده.
في هذا السياق، لا يعني التفوق العسكري بالعدد أو التقنية نهاية الصورة. النصر الحقيقي اليوم، كما كان في معركة الاثني عشر يوما، هو من ينجح في فرض سرديته، في جعل الخصم يعيد حساباته، وفي تحويل أي مواجهة إلى درس مستقبلي على الأرض والوعي والخيال. هنا، تصبح الحرب مسألة معنى قبل أن تكون مسألة صواريخ، ومعركة سيطرة قبل أن تكون معركة مواقع.
.jpeg)
تعليقات
إرسال تعليق
أترك تعليق