محمد حماد : حين يصبح الصمت موقفً وتصبح إدانة العدوان جريمة


عن نفسي، أُعلن تضامني الكامل مع شعب فنزويلا، وأقف بكل شدة ضد البلطجة الأمريكية، وضد أي عدوان على دولة مستقلة، وأرفض رفضًا قاطعًا كل مساس بحرية الشعوب وحقوقها، أيا كان مصدره أو مبرراته.

ومن هذا الموقف الواضح، يحق لي – ويحق لكل من لا يزال يؤمن بأن للسياسة معنى – أن أسأل: إذا كان إعلان هذا الرفض خطأً، وإذا كان عقد مؤتمر للتنديد باختطاف رئيس دولة ذات سيادة عملاً مستوجبًا للهجوم والتشكيك، فما هو البديل الذي يقترحه المعترضون؟ 

هل لديهم فعل سياسي آخر يمكن تنفيذه، أم أن المطلوب ببساطة هو الصمت، وتجميل العجز، وتسويق الخرس باعتباره حكمة؟

ليس جديدًا على منطقتنا أن يتحول الاعتراض على الهيمنة إلى تهمة، وأن يصبح رفض العدوان مغامرة غير محسوبة، بينما يُقدَّم الصمت بوصفه عقلانية، والتواري خلف العبارات الرمادية بوصفه نضجًا سياسيًا. 

الجديد فقط هو هذا الإصرار على محاسبة من يتكلم، لا من يعتدي، وعلى تفكيك نوايا المعارضين بدلًا من تفكيك منطق القوة الذي يسمح لدولة عظمى أن تخطف رئيس دولة أخرى دون خجل أو مساءلة. 

في هذه اللحظة بالذات، لا يعود الخلاف حول مؤتمر أو بيان، بل حول تعريف السياسة نفسها: هل هي فعل أخلاقي في مواجهة الظلم، أم إدارة ذكية للعجز وتدوير للهزيمة بألف اسم؟

الذين هاجموا مؤتمر التضامن مع شعب فنزويلا لم يقولوا لنا ماذا نفعل بدلًا منه، لم يقترحوا مسارًا آخر، ولا أداة مختلفة، ولا حتى صيغة أقل صخبًا وأكثر فاعلية. 

كل ما قُدِّم هو اعتراض بلا بديل، ونقد بلا مشروع، وغضب موجَّه إلى الداخل أكثر مما هو موجَّه إلى القوة التي ارتكبت الفعل. 

وحين يغيب البديل، يصبح الاعتراض في جوهره مطالبة باللا-فعل، وتتحول النصيحة السياسية إلى دعوة صريحة للصمت، أو إلى تماهٍ خجول مع خطاب القوة الغالبة، أو إلى تعبير صادق عن قلة حيلة تُترجَم عداءً لكل محاولة كسر لجدار العجز.

المؤتمر، مهما اختلفنا حول شكله أو تنظيمه أو نتائجه، ليس جريمة سياسية ولا ادعاء بطولة. هو فعل رمزي، نعم، لكنه من تلك الأفعال التي تحفظ للسياسة حدها الأدنى: أن تقول «لا» حين يجب أن تُقال، وأن تُسمِّي الأشياء بأسمائها قبل أن تبتلعنا لغة التبرير.

 المشكلة ليست في أن المؤتمر لم يغير موازين القوى، فمتى كانت المعارضة تُغيّرها من أول محاولة؟ المشكلة الحقيقية هي في الاعتقاد بأن موازين القوى تُحترم بالصمت.

الأخطر من كل ذلك أن يتحول الخلاف حول المعارضة من نقاش حول كيف نواجه العدوان، إلى معركة حول من يملك حق الكلام أصلًا. هنا نفقد البوصلة، وننقل الصراع من مواجهة الخارج إلى استنزاف الداخل، ومن محاولة بناء موقف تراكمي إلى تصفية حسابات صغيرة لا تُسقط إمبراطورية ولا تُحرِّر شعبًا. 

معارضة يجلد بعضها بعضًا لأنها تكلّمت، لن يُخيف صوتها أحدًا، ولن يحترم صمتها أحد.

في النهاية، ليست السياسة اختيارًا بين مؤتمر كامل وصمت كامل، بل بين فعل ناقص قابل للتطوير، ولا فعل مكتمل يُقدَّم في ثوب الحكمة. 

ومن يرفض الفعل دون أن يقدّم بديلًا، عليه أن يجيب بوضوح: هل يريد معارضة تحاول، أم معارضة لا تُزعج أحدًا لأنها قررت أن تخرج من التاريخ بهدوء؟

تعليقات