لا مبرر منطقيًا للنظر إلى خطف الرئيس الفنزويلي بوصفه تحوّلًا نوعيًا في طبيعة العلاقات الدولية، أو دليلًا على أن الولايات المتحدة تؤسس لمرحلة بلا قانون دولي أو مبادئ عدالة.
ما جرى ليس استثناءً، بل هو القاعدة التي حكمت علاقة القوي بالضعيف منذ فجر التاريخ، وغالب الظن أنها ستظل كذلك.
قبل مادورو؛ الذي لا جديد في محاولة إسقاطه سوى الإخراج الهوليوودي، المتوافق مع ذائقة مقاول البيت الأبيض وطبائعه البربرية، أسقطت واشنطن أنظمة، واغتالت زعماء، ودمّرت دولًا، فيما لم يحرك الضعفاء ساكنًا، اللهم إلا إصدار بيانات شجب هي والعدم سواء.
نحن العرب رأينا على الهواء مباشرة القبض على صدام حسين ثم إعدامه عام 2006، لكن ذلك المشهد لم يكن التدشين الأول لانهيار ما يُسمّى بالقانون الدولي، ذاك القانون الذي لا يساوي منديلاً ورقيًا في حساب الأقوياء حين تتعارض نصوصه مع مصالحهم.
بوسعي أن أقدّم قائمة بعشرات الزعماء الذين أسقطتهم أو اغتالتهم “بلاد الكاوبوي”، لكنني سأكتفي بخمسة نماذج فادحة الدلالة، حتى لا أُرهقك قترا، ولا أُتهم بأنني “أحكي في المحكي”.
باتريس لومومبا، الكونغو (1961)
كان أول رئيس وزراء منتخب بعد استقلال بلاده، واغتيل بتخطيط ودعم من وكالة الاستخبارات الأمريكية، وبالتعاون مع قوى الاحتلال البلجيكي.
وثائق الاستخبارات الأمريكية تؤكد أن خطة تصفيته كانت عقابًا على نزوعه للاستقلال ورفضه الخضوع للهيمنة الغربية.
محمد مصدق، إيران (1953)
لم يُغتل جسديًا، لكنه أُسقط بانقلاب دبّرته المخابرات الأمريكية والبريطانية، وأُعيد الشاه رضا بهلوي، المكروه شعبيًا.
كانت جريمة مصدق الكبرى أنه قرر تأميم النفط الإيراني. وبعد عودة الشاه، أقام علاقات مع الكيان الصهيوني، لتكون إيران أول دولة ذات أغلبية مسلمة ترتكب هذه الخطيئة السياسية والأخلاقية.
نغو دينه ديم، فيتنام الجنوبية (1963)
دعمت واشنطن الانقلاب عليه، ثم تُرك ليُغتال، بذريعة فشله في مواجهة المد الشيوعي، بعدما أصبح عبئًا سياسيًا على رعاته.
كان حليفا سابقا لواشنطن، لكن مَن يهتم؟
سلفادور أليندي، تشيلي (1973)
رئيس منتخب ديمقراطيًا، حاصرته واشنطن اقتصاديًا، ومولت المعارضة، ثم دعمت انقلاب بينوشيه الدموي، إلى أن قُتل داخل القصر الرئاسي.
كانت تهمته الوحيدة أنه اشتراكي، انتُخب بإرادة شعبه.
أحمد سوكارنو، إندونيسيا (1965)
دعمت الولايات المتحدة انقلاب سوهارتو لوقف ما تسميه “المد الشيوعي”. أُطيح بسوكارنو، ووُضع قيد الإقامة الجبرية حتى مات معزولًا، فيما غرقت البلاد في مجازر راح ضحيتها مئات الآلاف.
صفوة القول إن البلطجة، كانت وستظل، صاحبة الكلمة العليا في النظام الدولي، وإن الدول الضعيفة ستبقى كالفراخ في العشش، تحزّ السكين الأمريكية رقابها متى شاءت، بلا حساب ولا عقاب.
وإذا كان الضعف ليس حتمًا مقضيًا، فإن تعريف قوة الدول يقتضي وقفة جادة لإعادة النظر في طبيعتها.
وظني أن الدولة الضعيفة ليست تلك التي تفتقر إلى السلاح أو المال بل هي التي تحكمها أنظمة شمولية يمقتها مواطنوها.
حين تحكم الديكتاتورية ويسود مبدأ "ما تسمعوش حد غيري"، يفقد المواطن شعوره بالانتماء، أو بعبارة أخرى إن الحرية باعتبارها فطرة إنسانية هي التي تعطي للوطن قيمته العاطفية والمعنوية.
لقد دعمت واشنطن الانقلاب على هوغو تشافيز في فنزويلا، لكن شعبه أعاده إلى الحكم خلال ساعات.
وعلى النقيض، استقبل قطاع من الشعب العراقي دبابات الاحتلال الأمريكي بالورود، فكانوا كالمستجير من الرمضاء بالنار.

تعليقات
إرسال تعليق
أترك تعليق