معتز منصور يكتب : "أفريقيا مرآة الهيمنة" الانسحاب الأمريكي وكشف حدود القوة العالمية


ما يسمى اليوم انسحاباً أمريكياً من أفريقيا لا يتم ببيان رسمي واحد ولا بصورة درامية، بل عبر سلسلة خطوات متراكمة يمكن رصدها منذ نحو عامين، خطوات هادئة لكنها عميقة الدلالة. الولايات المتحدة أغلقت أو سلمت مواقع عسكرية، خففت حضورها الاستخباري، علقت برامج تدريب، وسحبت قوات ومستشارين من دول الساحل الأفريقي، بينها مالي والنيجر وبوركينا فاسو. في مالي تم إنهاء معظم أشكال التعاون العسكري بعد الانقلاب، وفي النيجر فقدت واشنطن أهم قواعدها الجوية عقب قرار السلطة الجديدة إنهاء الاتفاقات الأمنية، وفي بوركينا فاسو تراجع الحضور الأمريكي إلى الحد الأدنى مع صعود خطاب سياسي واجتماعي معاد للنفوذ الغربي. بالتوازي، تقلص نشاط القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا “أفريكوم” من حيث العمليات المباشرة، وتحول دورها تدريجياً من فاعل ميداني إلى جهة تنسيق ودعم عن بعد. هذه الوقائع لا تمثل تفاصيل إدارية عابرة، بل تعكس إعادة احتساب كلفة البقاء المباشر، واختيار الخروج الصامت والمدروس بدل الصدام المفتوح، ما يوضح أن الانسحاب الأمريكي ليس خطأ تكتيكياً، بل كشف لبنية أزمة أعمق في إدارة القوة نفسها.

نحن أمام لحظة تتقاطع فيها ثلاث حركات كبرى: التمدد الأفقي المفرط، تآكل الفاعلية المركزية، ومحاولة متأخرة لإعادة تركيز القوة في النقاط الحيوية لمستقبل الهيمنة. هذا التقاطع يجعل أفريقيا ليست هامشاً، بل مرآة تعكس قيود القوة الأمريكية وحدود سيطرتها. الحضور لا يساوي السيطرة؛ يمكن شراء قواعد وبرامج، لكن السيطرة تتطلب زماناً وتركيزاً وشرعية، وقدرة على تحويل القوة إلى نظام مستقر. أفريقيا، بتعقيدها الاجتماعي وتاريخها مع الهيمنة، ابتلعت النموذج الأمريكي بدل أن تستوعبه. ما جرى في دول الساحل لم يكن مجرد تمرد على وجود عسكري، بل رفض ضمني لفكرة أن قوة بعيدة، مثقلة بجبهات أخرى، يمكنها إدارة أمن داخلي هش دون أن تتحول هي نفسها إلى جزء من الأزمة.

هنا يعمل قانون الانتشار: كلما تمددت القوة أفقياً، تآكل عمقها الراسي، أثقل القرار، أضعف الردع، وتراجع الحسم. القارة لم تكن أولوية مركزية، بل ساحة منع: منع تمدد الصين، منع اختراق روسيا، منع تحولات غير محسوبة. السياسة المبنية على المنع لا على البناء تجعل الخروج مسألة وقت لا مفاجأة، خصوصاً حين تتشابك المصالح الاقتصادية والموارد الحيوية مع الأمن المحلي.

في المقابل، الفاعلون المحليون داخل القارة يعيدون صياغة المشهد وفق مصالحهم. الدول الكبرى، من نيجيريا إلى جنوب إفريقيا ومصر، تتحرك ديناميكياً لإعادة ترتيب تحالفاتها واستثمار الفراغ الأمريكي لتعزيز السيادة والمصالح الإقليمية. دول مثل أنغولا وغانا توسع نفوذها الاقتصادي من خلال مشاريع الطاقة والاتصالات، بينما تقود إثيوبيا وإريتريا تحالفات أمنية إقليمية لتثبيت موازين القوة. حتى الدول الأصغر، مثل بوروندي وتشاد، تستغل الفراغ لتعزيز نفوذها على المستوى الإقليمي. الانقلابات، الحركات الشعبية، وخطاب السيادة ليست مجرد ردود فعل على وجود الولايات المتحدة، بل أدوات فاعلة تعيد رسم خريطة النفوذ، وتكشف أن القارة قادرة على توجيه الحضور الأجنبي بحيث تتحول القوة الخارجية من أداة نفوذ إلى عنصر من عناصر الأزمة.

المنافسون العالميون يظهرون بصفتهم فاعلين مستقلين، وليسوا ظلالاً على سياسة واشنطن. الصين توسع نفوذها الاقتصادي عبر مشاريع ضخمة مثل ميناء لاغوس، الربط الكهربائي في شرق إفريقيا، واستثمارات في موانئ كيب تاون ومابوتو، بينما روسيا تركز على النفوذ العسكري والتقني والدبلوماسي من خلال قواعد في تشاد والقرم، ودعم ميليشيات محلية في الساحل. الهند تتوسع تجارياً عبر استثمارات في موانئ شرق إفريقيا وأسواق السلع الزراعية، في حين تحافظ فرنسا وبريطانيا على مواقع نفوذ تقليدية. هذه التحركات لا تعزز مصالحهم فقط، بل تضغط مباشرة على الولايات المتحدة، وتجبرها على إعادة توزيع مواردها، مراجعة تحالفاتها، وإعادة النظر في أولوياتها الاستراتيجية. كل خطوة أمريكية تقابلها حركة مضادة، ما يزيد تكلفة الانتشار ويكشف حدود القدرة الأمريكية على فرض السيطرة المركزية، خصوصاً في مناطق يتداخل فيها النفوذ المحلي والدولي.

الأبعاد الاقتصادية والموارد تشكل محوراً ثالثاً يعمق فهم الصراع على النفوذ، النفط والغاز والمعادن الاستراتيجية، خطوط الشحن والموانئ الحيوية، شبكات الكهرباء والاتصالات، والأسواق الاستهلاكية تتحول إلى أدوات نفوذ قادرة على تعديل ميزان القوة. انسحاب واشنطن يحول السيطرة من مباشرة إلى جزئية، ويتيح للقوى الإقليمية والدول المنافسة استثمار الفراغ عبر استثمارات طويلة الأمد، إنشاء قواعد اقتصادية ولوجستية، أو السيطرة على الموارد الحيوية. الأسواق الأفريقية تتحول إلى مسرح لصراع متعدد المستويات بين أمريكا، الصين، روسيا، الهند، وحتى اللاعبين الأوروبيين، حيث كل خطوة استثمارية أو تحالف اقتصادي يعيد رسم خطوط النفوذ ويعيد صياغة التوازنات على المدى المتوسط والبعيد، ما يجعل أفريقيا مختبراً نموذجياً لقوانين القوة الحديثة.

لكن الانسحاب الأمريكي لا يعني انكفاءً عاماً، بل إعادة توجيه للقوة نحو ساحات تراها واشنطن أكثر حساسية لمستقبل هيمنتها. التحركات البحرية الواسعة، إعادة نشر الأساطيل بين المحيط الهادئ والشرق الأوسط، الضغط المتصاعد في أمريكا اللاتينية، والاهتمام الاستراتيجي بجرينلاند والقطب الشمالي، كلها تشير إلى أن واشنطن تحاول تقليص ساحاتها للحفاظ على المركز، وليس التخلي عن الهيمنة. هذا التوزيع الجديد للقوة يكشف القيود البنيوية على التحكم الشامل، ويجعل التنافس متعدد المحاور والبعد الزمني أكثر وضوحاً، حيث كل قرار اليوم له انعكاسات خلال العقد القادم.

هكذا، الانسحاب الأمريكي من أفريقيا ليس مجرد علامة ضعف محلي، بل كشف لقيود الهيمنة العالمية نفسها: حضور القوة دون تركيز حقيقي، سيطرة دون فهم شامل للفاعلين المحليين، وفرص مهدورة أمام المنافسين العالميين. أفريقيا ليست هامشاً عابراً، بل مرآة لطبيعة القوة، تحدد حدود ما يمكن لأي إمبراطورية تحقيقه، وتعيد رسم العلاقة بين المركز والهامش، بين النفوذ والفاعلية. السيطرة الشاملة ليست مجرد مسألة أساطيل وميزانيات، بل فهم ديناميكية الواقع، وموازنة القوة مع الشرعية، والمصالح مع الموارد، والزمن مع الإمكانيات. أي محاولة للتعامل مع العالم كما لو كان لوحة شطرنج يمكن تحريك جميع القطع فيها بلا قيود ستظل محاولة جزئية، متناثرة، معرضة للفشل. وفي هذا التوازن الدقيق، تكشف أفريقيا اليوم درساً استراتيجياً عالمياً: القوة المطلقة وهم تاريخي، والمستقبل لمن يفهم حدودها ويصيغ سيطرته وفق قوانينها الواقعية، لا وفق رغباته الإمبراطورية.

تعليقات