لدي رغبة في أن أحدثكم عن الشاعر المجنون السعدني السلاموني، (مجنون هنا ليس توصيفي انا لكنه توصيف الحكومة التي قررت ان تكشف عن قواه العقلية، بعد نشره فيديو يتحدث فيه عما يتعرض له من سخافات وبلطجة؛ يمارسها عليه اناس يرى انهم مسنودون من قبل بعض عناصر الشرطة).
السعدني السلاموني مجنون بالفعل، ليس من اليوم ولا الأمس ولا حتى اول امس، لكنه منذ صرخت في اذنه نداهة الأدب والشعر على رؤوس الحقول في قريته "نادر"، فترك حمارته وادوات عمله كنجار للسواقي، ونزل الى القاهرة بقصائده؛ مصرا على الا يعود الى بلدته الا وقد أصبح شاعرا كبيرا، السعدني الذي استغله الجميع وخاف منه الجميع، واحبه الجميع ايضا في نفس الوقت، فالسعدني حالة عظيمة ومدهشة وفريدة، فلديه شجاعة مفرطة وحكمة عظيمة وعزيمة جبارة وطيبة لا مثيل لها، من لا يعرفون السعدني يعتقدون انه قاطع طريق، وهو هكذا بالفعل، لكنه قاطع الطريق الفنان الذي يحنو على الضعفاء الذين قتلهم قطار الادب، وجعلهم على هامش الهامش، فقرر السعدني ان ينتصر لهم وبهم ويصدر مجلته "الرصيف"، وهي مطبوعة من عدة اوراق، يكتبها ويحررها وينشر فيها له ولأصدقائه من المهمشين الذي لفظتهم مظلة المؤسسات الرسمية، وتنكر لهم المسئولون فيها، فكان السعدني الحضن الذي ضمهم في مواجهة شعراء تحولوا الى لوردات عظماء مثل عبد الرحمن الأبنودي وسيد حجاب.
تقول الأسطورة أن السعدني كان جالسا ذات مساء في خصه على راس حقله لاهيا لا به ولا عليه، حين دخل عليه اثنان من المتعلمين في قريته، واخذا يتحدثان امامه عن الشعر والادب وما يكتبان وما يرفضان فيه، فجذب حديثهما سمع السعدني، وبجسارته المعتادة أخبرهما انه يمكنه ان يقول كلاما مثل كلامهما، ونطق بلسانه العامي الممسوس بالشطح تارة والمجاز العفوي تارة أخرى جملا أفضل من شعرهما، حتى انهما اصيبا بالدهشة، لكنهما ظلا يرونه حالة يمزحون عليها تارة؛ ويستأنسون بحكاياته تارة أخرى، ولأنه أمي (لا يقرا ولا يكتب) فقد قررا ان يعلماه الكتابه، ممتدحين شعريته على نحو ما فعل بول بولوز مع محمد شكري في المغرب، ولنا ان نتخيل كم الجهد الذي بذله السلاموني كي يتخطى العقبة التي تحول بينه وبين ان يصبح شاعرا مثل الابنودي ، حتى انه استطاع في ظرف عام واحد أن يعلم نفسه القراءة والكتابة، وينطلق ليعلم نفسه بنفسه طيلة الحياة، ويقرر ان ينزل القاهرة ليكون شاعرا مثل شعرائه العظام سواء الابنودي وجاهين او حداد ونجم وغيرهم.
لم تكن الحياة بسيطة ولا سهلة مع السعدني، فهو غريب في المدينة، رجل مازال اميا في ثقافته، يتلمس اولى خطواته في مدينة كبيرة وعريقة، لذا لم يكن امامه سوى ان يعتمد على ذراعه كي يأكل ويعيش، ووجد طريقه امام مكتب تنسيق الجامعات، حيث يمكنه ان يشتري مجموعة طوابع بريد ويبيعها للطلبة الغرباء مثله عن المكان، بهامش ربح معقول، لكن هذا العمل له قبضايات كبار، فهجموا عليه لطرده وتعليمه الأدب، فما كان منه الا أن قام بضربهم وطردهم هم، وفرض نفسه ملكا على المكان، لكن هذا العمل موسمي لا يدوم، فكان عليه ان يبحث عن عمل آخر.
سمع السعدني بجمال الغيطاني، وانه رئيس تحرير جريدة ثقافية مهمة، وهي المكان الذي يجب أن يتواجد فيه، فقرر الذهاب اليه، وعرض عليه اعماله، وهناك كانت بداية علاقته بالغيطاني الذي نشر له نصا او اثنين، وبدا في معرفة اخبار المثقفين من خلاله، واحيانا استخدامه في التجرؤ على جابر عصفور أو وزير الثقافة أو سمير سرحان، وجميعهم كانت للغيطاني خصومات معهم، لكن الآخرين سرعان ما فطنوا الى اللعبة، خاصة ان لديهم اكثر مما لدى الغيطاني بكثير، ومن ثم حصل السعدني على عمل بالعقد في قصور الثقافة، واصدر ديوانه الاول "رغاوي الالم" من سلاسلها، وعاش حياته كمثقف كبير يأتي من المركز في العاصمة للتفتيش على اعمال بيوت وقصور الثقافة في الأقاليم، ويجتمع برواد نوادي الأدب ليرى مشكلاتهم ويبحث لها عن حلول، وهو ما منحه سلطة عظيمة، اساء استخدامها بالطبع في بعض الأحيان، لأنه رجل على الفطرة، ولأنه شبه مسنود على قيادات عظيمة، لكن حظه السيء ان محمد السيد عيد اصبح رئيسا له، فبحث عن اوراق تعاقده فوجد انها بلا شهادة مؤهل، فأصر على فصله من عمله.
تحول السعدني من سلطة ثقافية الى هامش الهامش، مطرودا من المؤسسة الثقافية، فما كان منه الا ان عاد الى أساتذته الكبار، فاصبح على علاقة وطيدة بسكرتارية فاروق حسني، وحصل على التفرغ لسنوات عديدة، واصبح مقربا من سمير سرحان، يتصل به وقتما شاء ليطب منه ما يريد، ويمكنه ان يتصل بجابر عصفور وقتما يشاء ويطلب ما يريد، وباتت زهرة البستان مقر عمله اليومي، يستيقظ من النوم ليجلس عليها، وكانت أصداء ديوانه الاول مازالت قوية وجميلة، وكان الكل يؤكد على موهبته التي تشبه الارض البكر، قوية وعفية وغير منظمة ولا مهذبة، موهبة يمكنها ان تصفعك بجملة من قبيل (عيني بتقلب الطعمية في طاسة الزيت)، فهذا الجوع الكافر الذي تصدره لك تلك الجملة هو ما صنع السعدني القوي الفاجومي الحكاء، فضلا عن أنه كان يزك على ساقه ذات العرج الخفيف الواضح، وكانت لطريقة حديثه حضورها المدهش، فقد حافظ على لهجته الريفية مثله مثل مشاهير عظماء كمستجاب والأبنودي وغيرهم، واصبح السعدني الشاعر الذي خرج صارخا من باطن الارض، حتى ان صديقيه الذين علماه القراءة والكتابة ليظلا يتندران عليه وعلى طريقته في الكلام، قد توراى نجمهما بجواره، بينما أصبح السعدني على تقاطع كبير مع الصف الاول والثاني من المسئولين، ومن يحتاح الى شيء في وسط المهمشين كان يتصل بالسعدني، ومن يحتاج منه السعدني شيئا يتصل به على الفور.
السعدني حكاء عظيم، يختلط في حديثه دائما الواقع بالخيال، حتى انه يحدثك عن هواجسه وكأنها حقائق، ولا يستطيع أن يفصل بين الواقع والشعر، فكلاهما لديه مليء بالمجاز، وكلاهما مدهش عجيب، والسعدني يستدعي في حديثه دائما بطولات حقيقة ووهمية على السواء، وهو بطبعه مؤهل لذلك، فصارت كل الابواب تنفتح على مصرعيها امامه، تنفتح لشخص يحب الحياة، ولا يؤمن بشيء الا لذة اللحظة التي يعيشها، تفتحت له ابواب الكثيرين الذين احتضنوه تارة واستغلوه تارة، والسعدني يحمد ويشكر ويكتب وينشر، وياخذ مالا من الجميع، فلا احد يمكنه ان يبخل على السعدني.
السعدني لديه ذكاء فطري عجيب، يزن الناس ويعرف اقدارهم ونقاط ضعفهم، ويعرف كيف يستغل كل ذلك، موقنا أن الحياة لا تبنى الا بالجهد المتواصل، لذا كان يتصل بالجميع يوميا، كما لو أنه يطمئن على رعيته، فقد بات ذلك عمله ومصدر رزقه.
السعدني هو اول شاعر يكتب في بطاقته الشخصية ان مهنته شاعر، فقد كره ان يكتب له موظفو السجل المدني مسمى عاطل او بلا عمل، فاتصل برئيس اتحاد الكتاب محمد سلماوي وجعله يعتمد له اوراقه بمهنة شاعر، وهو يوقن ان هذه ليست بطاقة شخصية، ولكنها بطاقة هوية، وهوية السعدني التي يؤمن بها، ولا يرى نفسه في شيء سواها، هي الشعر... وهو أيضا اول شاعر يحصل على شقة من محافظة القاهرة، أتى له بها سلماوي ايضا، وكنا نتصور انه سيظل سادرا هكذا في حالته الشعرية، مخلصا لها ومخلصة له، لكنه فاجأنا جميعا بانه تزوج، فقد أخذه وحيد الطويلة من يده وكتب كتابه على فتاة من اسرة محترمة، توقعت ان السعدني بكل جنونه لن يحتمل الحياة في ذلك القفص الذهبي، لكن يبدو أن زوجته تمتعت بقدر كبير من العقل والحكمة بما يسمح لها باحتواء كل هذا الجنون الشعري الذي يملأه، فوجدناه ينتظم في الحياة، ويصبح شخصة رقيقا في حياته الخاصة، محافظا على بيته وسمعته وحياته.
ويبدو ان السعدني كانت لديه خططه الدائمة للتوسع والتقدم نحو الامام، فكان أول شاعر يصدر له صندوق التنمية الثقافية كتبا صوتية، حيث اقنع فاروق حسني بان لديه مشروعا مهما لمحو الامية البصرية من المجتمع المصري، وذلك عبر شرح لوحات كبار الفنانين للمواطن العادي بالشعر، والحيلة التي يمكن عملها فنيا هي استغلال ان طه حسين لا يرى بصريا، ويحتاج الى من يشرح له هذه اللوحات، فقام السعدني باصطحاب عميد الادب وشرح اللوحات له بالشعر، وحدث ذلك نحو ست مرات، أي ان صندوق التنمية الثقافية اصدر للسعدني ست سي ديهات في وقت كان العالم كله مازال يستخدم الراديو والقرص المدمج او الفلوبي ديسك.
أصبح السعدني ظاهرة ثقافية، وباتت المجلات الاجنبية تبحث عنه لتكتب عن مشروعه في محو الامية البصرية، وراحت كثير من المجلات تحاوره، وراحت الجامعة الامريكية تترجم له شعره، وبات السعدني أهم شاعر بعد الابنودي ونجم، وهو ما ادخله في صراعات كلامية معهم، وباتت زهرة البستان مقر التصريحات السعدنية في موجهة القوة الغاشمة للأبنودي.
لكن لا شيء يبقى على حاله فقد قامت الثورة عام ٢٠١١، وسقطت عروش كل من كان يعرفهم السعدني، وحتى من لم يسقط عرشه ما عاد بإمكانه ان يفعل له شيئا، فالبلد الآن في حالة ثورة حتى النصر، فتوقفت سي ديهات محو الامية البصرية، وسرعان ما توقف التفرغ الذي امتد لنحو عشرين عاما متواصلة، وتوقف النشر، وشعر السعدني انه في حالة حصار، وبات ما كان يقوله حول رغبة اعدائه في حصاره واقعا بالفعل، ليس لأنهم اعداء ولكن لأن شروط اللعب تغيرت، والكل اصبح خائفا، حتى ان وزيرا كالدكتور شاكر عبد الحميد لم يستطع أن يعيد الامور الى مجراها القديم، فيمنح السعدني التفرغ بالاستثناء، ويوافق له على طباعة مزيد من السي دي هات، علما بان السعدني كان على علاقة وطيدة بشاكر، وأن الاخير كان مثالا للكرم، لكن السعدني لم يستطع فهم ما حدث من تغيرات، وتوقع أن صديقه يمكنه ان يخالف اللوائح والتعليمات، كما كان الامر من قبل. مما جعله يصطدم بشاكر، وجعل الاخير يخرج عن شعوره قائلا (أعمل ايه). وهو السؤال الذي تفهم الجميع غضب الوزير فيه.
عاش السعدني اياما سيئة، فهو بلا وظيفة ولا تفرغ ولا دخل، وبلا اصدقاء، ولا يعرف كيف يمكنه ان يتغلب على هذا، فتوارى فترة مع المتصوفية والدراويش بعيدا عن المشهد الذي بات سريع التقلبات والفقد، فقد مات مكاوي سعيد وفتحي عبد الله واسامة خليل، وشاكر عبد الحميد، وجابر عصفور وسمير سرحان وفوزي فهمي وطلعت الشايب جمال الغيطاني وغيرهم كثيرون، ولم يبق للسعدني من حيلة للرزق غير تحويل مشروعه محو الامية البصرية الي موقع الكتروني، وتحويل سلسلة السي دي هات الى كتب ورق، ونشر هذه الكتب في هيئة الكتاب بدلا من صندوق التنمية، وزادت شطحات السعدني، فتحول من شاعر يشرح اللوحات لعميد الادب العربي بالعامة المصرية، الى منظر وعالم يتحدث عن الأكوان المتناظرة، وجعل بعض اصدقائه يكتبون مقالات عنها، واستخدم المقالات في الترويج لمشروعه، واعادة طباعة الكتاب مرة اخرى ونشره متضمنا فصولا جديدة ومقالات أخرى.
بالتاكيد لن يتوقع وكيل النيابة الذي يحقق مع السعدني السلاموني انه امام شخص بكل هذا التاريخ، شخص وصل بالفعل من الكوخ او الخص القائم على راس الحقل في قريته الى العالمية، حتى أن المجلات العالمية اتت لتحاوره، وان هناك برامج وافلام تسجيلية باللغات الاجنبية انتجت عنه، وان السعدني شاعر عالمي بالفعل وفقا لحسابات زماننا الحالي، ولا اعتقد انه سيتخيل ان السعدني الذي يحدثه بلغة الرصيف العارية، تلك اللغة التي تجمع ما بين الحكمة والجنون والادب، وما بين شطحات التصوف تارة، والاستهبال تارة أخرى، والفنتازيا والواقعية السحرية تارة ثالثة، هو شخص بكل هذا الثراء. ولن يستوعب السعدني أن وكيل النيابة غير مستوعب للحالة التي امامه بكل دهشتها وجنونها وعفويتها وقوة مجازها وتشبيهاتها المتوالية، حتى انه لن يجد امامه سوى الشك في القوى العقلية للسعدني. لن يستوعب وكيل النيابة ان السعدني حالة من بين عشرات الحالات التي تعيش في واقعنا الثقافي، ولا يمكن الجزم بإن كانت قسوة البحث عن الفتات واكل العيش في هذا الواقع الصعب الفتات هي التي اظلمتهم؛ أم أن مواهبهم الكبيرة التي اتت في لحظة لا تتسع لجنونهم الفني العظيم هي التي ظلمتهم.
وكل ما نريده الآن من السيد وكيل النيابة أن يتكرم ويترك لنا السعدني بحالته هذه، بجنونه وغبائه وتصديقه وخلطه الدائم ما بين الواقع والاحلام والمخاوف، وألا يعالجه أو يسعى لعلاجه، فثمة حالات إذا عولجت ماتت، فلا يمكن معالجة الشعر بالمنطق، ولا يمكن معالجة الايمان بالأسباب، والسعدني شاعر آمن بموهبته ومكانته في مجتمعه، ولا يمكن إخضاعه للعلاج مما آمن به، وذهبت نفسه راضية إليه منذ ندهته نداهة الشعر على رؤوس حقول قريته.

تعليقات
إرسال تعليق
أترك تعليق