سرقة أميركية علنية تُسجل في التاريخ..ترامب أعلن أنه سوف يستلم 50 مليون برميل نفط من فنزويلا، سيتم بيعهم داخل الولايات المتحدة بسعر السوق، وسوف توضع الأموال حصيلة البيع تحت تصرف الرئيس الأميركي، وهو سيتولى إنفاقها لصالح شعبي ‘‘فنزويلا‘‘ و ‘‘أمريكا‘‘..
الأمور أصبحت واضحة..هذا ليس مجرد انقلاب عسكري في فنزويلا..هذه عملية هائلة لسرقة 303 مليار برميل نفط، شارك فيها كل المسئولين الفنزويليين، من قادة الجيش ووزير الدفاع ونائبة الرئيس نيكولاس مادورو..وأن الاستخبارات الأميركية هي القائد الفعلي لها النجاح، بأشهر وسنوات ربما، في الاستثمار داخل الانشقاقات الفنزويلية، وشراء ولاءات قادة النظام، وسوف تكشف لنا الأيام أن الخمسين مليون دولار التي وضعتها أميركا على رأس مادورو جرى تقاسمها بين العديد من المسئولين الحكوميين الفنزويليين..وأن كل هذا السيناريو بدأ باستراتيجية شد الوثاق وإفقار تلك الدولة وحصار قطاعها النفطي بالكامل، حتى أصبح كل مسئول خلف مادورو عرضة للبيع والشراء.
ولم تستغرق أميركا ترامب أقل من أسبوع حتى تعلن فعليًا عن السرقة..50 مليون برميل مبدئيًا وهي لا شيء جوار الناتج الأميركي أو احتياجات سوق النفط العالمي، وتعادل إنتاج السعودية في 5 أيام..لكن نحن أمام نمط سوف يستمر سنوات طويلة..ومئات ملايين براميل النفط وربما مليارات ستكون بيد أميركا تنفق منها كما تشاء على الشعبين..قال ترامب فعلًا الشعبين..الفنزويلي..هذا نفهمه..طيب الأميركي؟ ما دخله؟
هنا سوف يقول مواطن عربي مُحب للاستعمار..لكن أخيرًا سوف يستفيد الشعب الفنزويلي من النفط بعد خمسة عشر سنة من الفقر الناجم بالأساس عن العقوبات والحصار الأميركي على كاراكاس..هنا سوف أحكي لك المستقبل بعيون الماضي..سوف أشرح لك بإيجاز..قصة سرقة نفطية مهجورة في كتب التاريخ..حدثت إلى الجوار منك أيها المواطن العربي..وما الذي يعنيه فعلًا أن تمتلك أميركا عوائد نفط بلد أخرى وتنفقها لصالحه..وتنقله من البؤس إلى الجنة الأميركية الموعودة..ما هي البلد؟..وما الكارثة البائسة التي وقعت فيها؟..حتى تتعرّف على مستقبل فنزويلا..سوف أخبرك..
يُحكى أن هناك بلدًا في إفريقيا لا يطيق الأميركيون الذهاب إليه من الفقر المستشري وبدائية العيش وعدم الاستقرار السياسي..هذا البلد هو ‘‘تشاد‘‘..كانت المصالح الأميركية فيه مقتصرة على دعم الطغاة من أمثال الديكتاتور ‘‘حسين حبري‘‘ بهدف تكوين دولة هشّة تمنع ليبيا القذافي من مدّ نفوذها إليه..فقط لا أكثر..وفي سبيل ذلك أمدّت قامت الاستخبارات الأميركية بتدريت أحد أسوأ الأجهزة الأمنية في تاريخ القارة وهو ‘‘إدارة الأمن والتوثيق‘‘ في تشاد على تقنيات استجواب مخيفة بحق المعارضين الذين قضى 40 ألفًا منهم نحبهم في المعتقلات التشادية.
لكن وقت السيد حسين حبري انتهى وتمت إزاحته انقلاب عسكري وتولى جنرال جديد صديق للأميركيين السلطة في ذلك البلد..وهو طبعًا..إدريس ديبي..إذن..لدينا رئيس جديد لتشاد في عام 1990..يا مرحبًا بالتغيير والديمقراطية..والثروة طبعًا..لماذا؟..ألم تقل أن تشاد بلد فقير؟..حقيقي..كان التقدير الأميركي أن 90% من هذا البلد غير صالح للعيش، وال 10% الباقية يُ/كن زراعة القطن بها على أقصى تقدير ويُطلق عليها Tchadutil أي تشاد المفيدة..لكن كل شيء تغيّر فجأة..من هي الشركة بطلة القصة؟
نعم نفس الشركة الحالية التي أعلن ترامب قيامها بإدخال 50 مليون برميل نفط فنزويلي لأميركا..شركة إكسون موبيل..في تشاد أجرت أكسون موبيل بحوث سيزمية أسفرت عن اكتشاف قرابة ميار برميل نفط في حقل اسمها‘‘ دوبا‘‘ في تشاد..أصبح لتشاد قيمة إذن بالنسبة لأميركا..وهنا سوف تدور أحد فصول أكبر السرقات في تاريخ القارة..
قرّرت إدارة بيل كلينتون أنه لا يُمكن إعطاء عوائد النفط لنظام إدريس ديبي الحاكم في تشاد..لماذا؟..ديكتاتور حى لو كان حليفهم، وتخشى واشنطن من أن يسيء استخدام الأموال في قمع شعبه..الحمد لله..سوف تذهب الأموال لشعبه مباشرة أكيد؟..لا..إكسون موبيل قرّرت الاستعانة بالبنك الدولي ووضعوا استراتيجية جميلة جدًا.
لن تذهب أموال النفط لتشاد..كلها بالكامل سوف تُوضع في حساب خاص في سيتي بنك في لندن..وإن شاء الله وألف ألف مبروك..ماذا يعني ذلك؟..سوف تستخرج إكسون موبيل النفط من حقل دوبا وتمد أنابيب النفط منه إلى الكاميرون قاطعًا مسافة 660 ميل ليصل إلى ميناء كريبي على خليج غينيا حتى يُمكن تصديره للخارج..وهذه التكلفة سوف تخصمها إكسون موبيل من الأرباح..ما الخطوة التالية؟
سوف تقسم باقي الأرباح لقسمين..12.5 % لحكومة تشاد الشريرة..والحمد لله الوجه الطيب لأميركا سوف يظهر لأن الباقي أي 87.5% سوف تضعه أكسون موبيل في صندوق اسمه ‘‘حماية الأجيال القادمة‘‘، وسوف تُخصص عوائده للإنفاق على الشعب التشادي مباشرة في قطاعات الصحة والتعليم..هل ترى الطيبة الأميركية؟..لن تُعطي الأموال للرئيس الفاسد الذي عينته، وإنما سوف تنفقها مباشرة على شعب تشاد الطيب، كأنه ليس هناك دولة، أو كأن إكسون موبيل هي الدولة الجديدة في تشاد..وطبعًا برلمان تشاد وافق تلك الصفقة وأقرّ دستوريتها..لأن عواقب الرفض إزاحة الرئيس ديبي بكبسة زر كسلفه حبري..استفاد الشعب التشادي من ذلك الصندوق؟..يا رجل يا طيب..كانت فضيحة دوّت في المجرّة..
أين ذهبت أموال النفط التشادي المحجوزة في حسابات إكسون موبيل..أول شيء..25 مليون $ لشراء أسلحة أميركية تذهب لديكتاتور تشاد..شركة أميركية حصلت على 360 ألف $ لبناء خزانات مياه وأخذت الاموال ولم تشتري بها حتى زجاجة مياه معدنية لمشرّد تشادي..مشاريع الطرق التي سوف تموله إكسون موبيل من أموال التشاديين ذهبت لشقيق الرئيس التشادي نفسه وأكل منها وشرب واشترى سيرات فارهة..حتى مقاعد المدارس سرقوها يا أخي..لدرجة دفعت أب كاثوليكي اسمه بيرلنجر للشكوى باكيًا وهو يقول أن مقاعد المدارس الخشب الأصلية سُرقت واستبدلت بمقاعد خشب معاد تدويره..والقصة المضحكة حد البكاء أن إكسون موبيل خصصت 600$ لشراء كتاب لإحدي الجامعات في تشاد وهو كتاب اسمه Analyse Micro- Economique By J.Lecallion وكان ثمنه الحقيقي 6 $ فقط..تخيّل؟
هذا الكلام لم يكن من اساطير زمن فائت، بل حدث في نهاية التسعينات يعني من أقل من 30 سنة..دولة لديها نفط، سرقته أميركا بالكامل، ووضعت كل عوائده في حساب خاص بها، وأنفقت منها كما ترى على الشعب التشادي..وما أنفقته أصلًا كان سرقة في حد ذاتها تُضاف للسرقة الأم الكبيرة..تخيّ الشعب التشادي الفقير كان ينفق على الشعب الأميركي من نفطه الذي لم ير من عوائده شيئًا..وهذه القصة مذكورة نصًا في كتاب عظيم لجون جازفينان، من إصدار المجلس القومي للترجمة، تحت عنوان ‘‘ألتكالب على نفط إفريقيا‘‘ وتحديدًا الفصل السادس ‘‘مكان انتظار الناس‘‘..
هل تخبرك تشاد الآن بما سوف يحدث في فنزويلا؟..نفس السرقة بالكربون..لكن على نطاق أوسع..نحن هنا لا نتحدث عن مليار برميل تشادي..بل 303 مليار برميل فنزويلي..سوف يقوم ترامب ببيع جزء منها داخل أميركا ويسيطر على الأموال، وينفق منها على الشعبين الأميركي والفنزويلي..ولديك الآن نموذج قياسي من تشاد، لتعرف على وجه الدقة كيف ستنفق الاموال على شعب فنزويلا..شراء أسلحة أميركية، نهب واسع المدى لصالح المسئولين الذين سلموا رئيسهم مادورو، ولن يرى الشعب الفنزويلي فلسًا واحدًا من عوائد نفطه..سرقة تشاد القديمة تمت في ظلام الليل..لكن لأول مرة سرقة علنية واضحة جهارًا نهارًا دون تجمّل..أنا ترامب حرامي وأتيت لأسرقكم..وعليكم القبول..هكذا فقط لا أكثر ولا أقل.
لن تكون الأخيرة فنزويلا نموذج للعالم الأميركي الجديد..يُجرى إعداده بمنتهى الوقاحة..لأن القادم في السلسة دول أخرى سيكون أمامها أحد طريقين إمام تعديل نظامها والقبول بنفسها بتسليم رقابها للأميركيين والدول العربية النفطية خير مثال، أو تحمل عواقب الحصار والغزو، وحينها سوف تسحب أميركا الصفقة السابقة وتسرق بمفردها كل ثرواتك..هنا الخياران يا تقبل النظم طوعًا تقاسم مواردها، يا إما تُسرق كلها..وصدق أو لا تصدق.
هذا عصر استعماري جديد قد بدأ في العالم..عصر مختلف تمامًا عما عرفناه خلال 80 سنة ماضية..عصر قد بدأ في كاراكاس ويسعى للعبور على أجساد هافانا وصولًا إلى طهران..ولن يتوقف الأميركيون..هي حربهم المديدة ضد الصين..لكن تلك المرة اكتفوا تمامًا من حصارها في بحر الصين الشرقي والجنوبي..وسيكون الدور على كل بلد عالم ثالث يُمكن أن تطأ فيه بكين قدمًا، ولو من باب الاحتمال..وليست فنزويلا أبدًا خبرًا هامشيًا..بل هي مستقبلك القادم الذي تخشى حتى اللحظة رؤيته..هنا أحط إمبراطورية في تاريخ البشر..هنا أميركا.

تعليقات
إرسال تعليق
أترك تعليق