بعد خمسة عشر عامًا، لم تعد يناير حدثًا يُستعاد بالحنين أو يُدان بالغضب، بل لحظة تحتاج إلى قراءة باردة من مسافة، بعيدًا عن ضجيج الذكرى وعن الاستقطاب الذي حوّل الثورة إلى ساحة اتهام متبادل لا إلى سؤال سياسي مفتوح. فالتاريخ، حين يُقرأ من الداخل، يُربك، وحين يُقرأ من الخارج، يكشف ما لم يكن مرئيًا وقت الحدث.
خمسة عشر عامًا جرت فيها مياه كثيرة، ومعها مياه عكرة، في نهر السياسة المصرية. تغيّرت الوجوه، تبدّلت الشعارات، أُعيد ترتيب موازين القوة، لكن الأسئلة التي فجّرت يناير لم تختفِ، بل أُرجئت. وهذا، في ذاته، هو المدخل الصحيح لفهم الانتكاسة، لا بوصفها فشلًا عابرًا، بل كدرس مؤجَّل لم يُستوعَب بعد.
حين خرج المصريون في يناير 2011، لم يثوروا فقط على نظام حكم، بل على نمط علاقة بين الدولة والمجتمع تراكم عبر عقود. كانت لحظة كسر للخوف، لكنها لم تكن لحظة بناء للبديل.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى التي تتكرر في التاريخ: أن الشعوب قد تنجح في هدم شرعية قائمة، لكنها لا تنجح تلقائيًا في إنتاج شرعية جديدة، لأن الانفجار الجماهيري يسبق اكتمال الفكرة، ولأن العاطفة تتقدم على السياسة، ولأن الغضب لا يُترجم وحده إلى مشروع حكم.
التجربة المصرية لم تكن استثناءً.
في أوروبا عام 1968، اهتزّت الدولة الحديثة أمام الشارع، لكنها لم تسقط. وفي ربيع براغ، انفتح أفق إصلاحي واسع، لكنه اصطدم بميزان قوة لم يسمح له بالاستمرار. ما يجمع هذه اللحظات، ومنها يناير، هو أن الانفجار الجماهيري يُظهر القوة الرمزية، لكنه لا يُسقط البنية العميقة للدولة، التي تظل صامدة، تنتظر لحظة الارتباك لتعيد ترتيب نفسها.
الدرس الأول في انتكاسة يناير أن إسقاط رأس النظام لا يعني تفكيك النظام نفسه. فالدولة ليست شخصًا، ولا مؤسسة واحدة، بل شبكة معقدة من المصالح، والقوانين، وأجهزة السيطرة، وثقافة حكم متجذرة.
حقيقة ما جرى في 2011 هو أن القمة سقطت، لكن الجسد بقي متماسكًا، ينتظر الفرصة. وحين لم تجد الدولة القديمة أمامها مشروعًا بديلًا واضحًا، عادت، لا باعتبارها خيارًا مثاليًا، بل باعتبارها الخيار الوحيد القادر على فرض النظام.
هنا يتقاطع درس يناير مباشرة مع الواقع السياسي الحالي.
الاستقرار الذي يُرفع اليوم شعارًا لم يولد من فراغ، بل من خوف عميق، تراكم في وعي الدولة والمجتمع معًا، من تكرار لحظة بلا بديل.
سلطة ما بعد يناير، في جوهرها، هي رد فعل على فراغ يناير بقدر ما هي نقيض لها؛ رد فعل يرى أن السيطرة تسبق السياسة، وأن الأمن يسبق التفاوض، وأن الدولة لا يمكن أن تُترك مرة أخرى لاختبار الشارع.
الدرس الثاني هو غياب القيادة السياسية الجامعة.
لم تكن المشكلة في تعدد القوى، بل في عجزها عن إنتاج رؤية مشتركة. تفرّق الفاعلون بين شعارات كبرى لا يجمعها تصور واحد للدولة، ولا للاقتصاد، ولا تعريف مشترك لمعنى العدالة أو حدود السلطة.
في تلك اللحظة، تحوّل الاختلاف من تنوّع صحي إلى صراع وجودي، وفقدت الثورة بوصلتها، وأصبح الفراغ السياسي مسرحًا للقوى الأكثر تنظيمًا، لا الأكثر تمثيلًا للمطالب الشعبية.
غياب القيادة السياسية الجامعة ما زال يلقي بظلاله على الحاضر. فالمجال السياسي المصري اليوم ليس مغلقًا فقط بقرار أمني، بل مفرغ أيضًا من قوى قادرة على ملئه بمشروع مقنع.
الخوف من السياسة لم يعد حكرًا على الدولة، بل تسلل إلى المجتمع نفسه، بعد أن رأى كيف تحولت المنافسة السياسية إلى فوضى، والفوضى إلى مبرر للانكفاء الكامل.
الدرس الثالث في انتكاسة يناير أن الحرية، إذا لم تتحول إلى مؤسسات، تصبح عبئًا على أصحابها.
ما بعد 2011 كشف هشاشة الفكرة الثورية أمام واقع الدولة لم تُبنَ أدوات تحمي المسار، ولم تُصَغ قواعد تضبط الصراع، ولم يُنتَج عقد اجتماعي جديد يحدد ما للدولة وما عليها، في المقابل، كانت الدولة القديمة تعرف نفسها جيدًا، وتعرف كيف تعود، وكيف تستخدم الخوف، وكيف توظف الفوضى لصالحها.
الأخطر من صلابة الدولة القديمة، كان استعجال بعض من تصدّروا المشهد الثوري القفز إلى صراع السلطة قبل أن تُبنى السياسة نفسها.
في لحظة كان المطلوب فيها صياغة برنامج وطني جامع يترجم مطالب الناس إلى سياسات واضحة، انزلقت قوى كثيرة إلى معارك شرعية وتمثيل، وتنازعت على من يحكم قبل أن تتفق على كيف يُحكم.
غابت فكرة المشروع، وحضر منطق الغنيمة، وتحول الخلاف من نقاش حول مستقبل الدولة إلى صراع مفتوح على السلطة. وهكذا، لم تنهزم الثورة أمام خصومها فقط، بل أمام نفسها، وعجزها عن أن تتحول إلى بديل مقنع للدولة التي أسقطت رأسها ولم تُسقط منطقها.
ورغم ذلك كله، لم تمت يناير. لم تتحول إلى صفحة مطوية، بل إلى ذاكرة قلقة. ليست الذاكرة هنا حنينًا، بل سؤالًا مؤجلًا.
حاولت السلطة إعادة كتابة الرواية، وتحويل الحدث إلى مؤامرة مكتملة أو لحظة طيش جماعي، لكنها لم تنجح في محو جوهر اللحظة: أن المجتمع المصري، في لحظة ما، كسر الخوف، وخرج مطالبًا بالحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة.
لهذا تظل يناير حاضرة في السياسة المصرية حتى اليوم، لا بوصفها نموذجًا يُحتذى، بل بوصفها تحذيرًا مزدوجًا: تحذيرًا للسلطة من أن القمع لا يخلق شرعية، وتحذيرًا للمجتمع من أن الغضب بلا مشروع لا يصنع تغييرًا.
بعد خمسة عشر عامًا، تبدو يناير انتكاسة، وربما هزيمة.
لكن من داخل التاريخ، تبدو تجربة غير مكتملة كشفت أكثر مما أنجزت. نصف ثورة، نعم، لكنها كشف كامل: كشفت حدود الشارع، وحدود العاطفة، وحدود السياسة حين تُدار بلا تصور.
المستقبل، إذا كان له أن يتشكل خارج منطق الصدمة والارتداد، فلن يولد من تكرار يناير كما حدثت، ولا من دفنها كما لو لم تكن. الطريق الأرجح هو مسار ثالث، أبطأ وأكثر تعقيدًا، يعيد تعريف السياسة باعتبارها بناءً تراكميًا لا انفجارًا مفاجئًا.
مسار يبدأ بإعادة فتح المجال العام تدريجيًا، لا بوصفه تنازلًا من الدولة، بل استثمارًا في الاستقرار نفسه، ويعيد الاعتبار لفكرة المشروع الوطني الجامع، القادر على الجمع بين الأمن والحرية، بين الدولة القوية والدولة العادلة.
درس الانتكاسة يقول بوضوح:
الدولة التي تؤجل الإصلاح باسم الخوف قد تشتري الوقت، لكنها لا تشتري المستقبل، والمجتمع الذي يُغلق عليه الأفق طويلًا قد يصمت، لكنه لا ينسى.

تعليقات
إرسال تعليق
أترك تعليق