ليست كل الجرائم دمًا يُراق في الميادين، ولا كل الخيانات تُدوَّن في سجلات المحاكم؛ فبعضها يُرتكب ببرودٍ أشد، حين يُخنق الحلم باسم الواقعية، ويُقايَض الأمل بالأمان المصطنع ، ويُطلب من جيلٍ كامل أن يُكذِّب ما رآه بعينيه وما آمن به، كأن الذاكرة في ذاتها ذنبٌ لا يُغتفر.
إن كل من شارك—بالتبرير، أو بالتسويغ، أو بالصمت المتواطئ—في إجهاض لحظةٍ وُلدت من أنقى وجدان المصريين ، يظل مُثقلاً بدَينٍ أخلاقي وتاريخي لا تسدّه السنين،وقد قالها رجل مخلص فى زمن مضى : " إن من يتسامح فى حق من حقوق بلاده ولو لمرة واحدة، يعش أبد الدهر مزعزع العقيدة" فالتقادم قد يطمس الأوراق، ويُسقط المسؤوليات القانونية، لكنه لا يُبرِّئ الذمم أمام الحقيقة،
إذا كانت ثورة الخامس والعشرين من يناير قد مثّلت، في جوهرها، وعدًا جماعيًا بالكرامة والعدل والحق في المستقبل، فإن مأساة ما تلاها لا يكمن فقط في إغلاق نوافذ التغيير، بل في إعادة بناء الجدران لتكون أكثر صمتًا وقسوة مما كانت، فلم يُكتفَ بإزاحة الحلم، بل جرى تشويهه وتقديمه للناس كأنه وهمٌ خطر، حتى بدت التطلعات المشروعة للحرية والعدالة الاجتماعية ترفًا مستحيلًا، وصار الحديث عن مجتمع مدني رشيد، تهمة تُثير الريبة بدل أن تُلهم الأمل.
ومن هنا بدأ النزف البطيء لروح الجماعة الوطنية؛ لا بضجيج المدافع، بل بلغة التفاهمات الرمادية، حيث تراجعت الثوابت، وسلبت الحقوق، وأُديرت القضايا الكبرى كملفات تفاوضية عابرة، تحت عناوين براقة تُخفي فراغًا أخلاقيًا ومصيريًا.
وقد كان ذلك هو النقيض الصامت لما خرجت به يناير: وضوح المطالب، ونقاء البوصلة، وشعور الناس بأنهم شركاء لا رعايا.
لم يكن الوجع الاقتصادي الذي نلمسه اليوم حدثًا طارئًا،أو مصادفة عمياء، بل مسارًا تراكميًا؛ تآكلت فيه العملة، وتآكل معها كبرياء البيوت بصمت، وتحولت الأسعار إلى سياطٍ يومية لا ترحم. ووجد المواطن البسيط نفسه في صراعٍ مستمر، لا من أجل الرفاهية، بل من أجل البقاء ذاته، وكأن النجاة صارت إنجازًا مرهقًا.
في الخلفية، جرى التصرف في مقدّرات الأجيال القادمة بلا ضجيج، وتراكمت الأعباء باسم الإصلاح، دون أن يُمنَح أصحاب المستقبل حق السؤال أو الرفض.
حين تُسد قنوات المساءلة الحقيقية، يتحول الإفلات من المراجعة إلى عرفٍ سائد، وتُصاغ القواعد لا لإقامة العدل، بل لإدارة القلق.
غير أن النتيجة الأعمق لكل ذلك لم تكن الفقر وحده، بل تآكل الثقة. فعندما تنكسر الرابطة بين الناس، وبين ما يُفترض أنه يُمثّلهم، يصبح الخطر وجوديًا، يهدد البناء من أساسه، فالمجتمعات لا تهتز حين تُعارَض، بل حين تتوقف عن التصديق.
وهنا تحديدًا يتجدد معنى يناير: لا كذكرى عابرة، بل كسؤالٍ مفتوح عن الأمانة التي نُقضت، والدَّين الذي لم يُسدَّد.
فالمسألة، في جوهرها، ليست خلافًا في الرأي ولا خطأً في التقدير، بل لحظة اختبارٍ أخلاقي لم تُجتز. ودَينٌ ثقيل سيظل معلقًا في أعناق كل من ساهم، أو سوّغ، أو صمت، يوم كان الوطن ينتظر من يفتديه بالحقيقة، لا من يُقايضه بالاستقرار.

تعليقات
إرسال تعليق
أترك تعليق