عمرو ناصف يكتب : للحالمين ب(إيران النقيض)


ما يحدث في إيران الآن،ليس شأنًا داخليًا محضا، لكنه أمر يمس الأمن القومي العربي في مقتل، ويمنح ترامب، ونتنياهو أمالا عريضة، في حدوث تحول جذري، يعيد إيران جملة، وتفصيلا إلى حضنيهما، كما كان الحال قبل الثورة الإسلامية.

والغريب، أن نرى اليوم، عربا، يشاطرون تل أبيب، وواشنطون حلمهما، والأغرب، أن العرب هنا ليسوا فقط بعض الأنظمة، والحكومات، ولكنهم جزء كبير من الرأي العام، تعكسه بيانات، وإحصاءات، تقول إنه، وخلال الساعات التي تلت أخبار قطع الانترنيت عن إيران، نشرت وسائل التواصل 572 ألف منشور، معظمها لعرب، يهاجمون الحكم هناك، ويؤيدون المتظاهرين، وقد حصدت هذه المنشورات: مليار و300 مليون بين مشاهدة، واعجاب، أما التعليقات، فتؤكد بما لا يدع محالا للشك، أن بين جنبينا، كم هائل من المراهقين، الذين يتصورون في تعليقاتهم، الساذجة، وكأن (إيران النقيض)، ستصبح لقمة يمضغها العرب.

وليت هؤلاء يعلمون أن (إيران النقيض) لن تغير مذهبها، ولن تمنح العرب الأهواز استقلالا، ولن تقيم نصبا تذكاريا لخزعل الكعبي، أو عبد المحسن الخاقاني، بل، ولن تبقي على تعاملها الأخوي النموذجي الحالي مع المسلمين السنة، ولن تقول لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء.

فلنسلم بحق الناس في التظاهر، سواء في إيران أو غيرها، لمناهضة فساد، أو رفع مطالب معيشية، أو مطالبة بحقوق، فهذا أمر لا يمكن لعاقل أن يقف ضده، لكن السؤال: هل جحافل العرب الداعمين للمظاهرات في إيران، يفعلون ذلك، حبًا في المواطن الإيراني، وحرصا عليه، ورغبة في رفع مستواه؟ الإجابة هنا هي: (لا) بكل تأكيد.

*فإذا كانت المظاهرات المطلبية المعيشية، مكونًا واحدًا (هو الأقل)، في الحراك الحالي، فما المكون الثاني الأكبر؟

المكون الثاني: وهو، في واقع الأمر، الذي يحظى بتأييد جحافل عربية، ودعم وتمويل أمريكي/صهيوني.. يمثله المطالبون بعودة حكم الشاه، في تحول هو الأبرز خلال اليومين الأخيرين، وهؤلاء يتصورون، أو تم إيهامهم، بأن أبواب الرخاء لا تشرع إلا بمفتاح أمريكي، وبالتالي هم يريدون الحصول على المفتاح، حتى ولو كان الثمن هو عودة العلاقات الحميمة مع إسرائيل كما كانت قبل الثورة، وهذا أمر قريب الشبه، بما حدث في مصر، حين صدق البعض أن طريق الرفاهية، يمر بمنح أمريكا 99% من أوراق اللعبة،وإبرام معاهدة (سلام)، مع الكيان.. ثم فوجئوا بأن دولتهم التي كانت تكتب (صفرًا)، في خانة الديون، اضطرت إلى توسيع هذه الخانة، حتى تتحمل عشرة أعداد، وما يزال منا من ينتظر ذلك المفتاح إلى اليوم.

**لقد زرت إيران عدة مرات، لكن زيارتي الأولى تبقى الأهم، لأنها كانت استطلاعية، تنقل المعرفة النظرية إلى دائرة المعايشة.

لم تقف رغبتي آنذاك، محدودة ضمن إطار الالتقاء بمؤيدي الثورة، لكن الرغبة كانت جامحة لمحاورة الشباب المتعصب لقوميته، الرافع لشعار: (إيران أولا، وأخيرا)، والمتبني لأفكار وتوجهات ليبرالية، وعلمانية، والوارث من عهد الشاه وصف العرب، بأنهم (أجلاف الصحراء)، وبالمناسبة، ومنعا لأي فذلكة، فالعرب المقصودون هنا هم ذلك الشعب المتواجد من المحيط إلى الخليج، بل استثناء، أو تميبز.

هؤلاء، هم صلب المشهد المنتفض اليوم، وعليه، يمكنني، ويمكن لأي عربي عاقل، أن يعرف، ما سيحدث في حال عاد حكم الشاه، أو صعد نظام مشابه. والأمر ليس فيه خبايا، ولا لوغاريتمات، إذ يكفي أن نتصور انتقال إيران بموقعها، وعديد شعبها، وقوتها، وثرواتها، وقدراتها العسكرية، والعلمية، إلى المعسكر الأمريكي الصهيوني، كما كانت قبل الثورة، وذلك في توقيت مقيت، انهارت فيه سوريا، وليبيا، والسودان، وينقسم فيه اليمن، ويستعد الكيان لتأسيس قاعدة عسكرية، وجوية في الصومال، وتخيم أشباح العدوان على العراق، ولبنان، وصنعاء.

لقد بلغ ضيق الأفق بالبعض، حد التعامي، عن ذلك الدور الذي سيتم تكليف (إيران النقيض) به، في المنطقة، بالأمر الأمريكي،خاصة بعد رفع  الحصار، والعقوبات عنها، وكل أشكال الحظر، بما في ذلك انتاج للسلاح النووي... لنتصور ما الذي يمكن أن تفعله (إيران النقيض)، بقدها وقديدها، وهي التي لن تكلف الغرب أعباء، ولا تمويلا، ولا تسليحا.

*تصوروا (إيران النقيض)،  وكيف ستصبح أكبر، وأخطر، وأشرس قاعدة عسكرية غربية، وكيف ستعود إليها أكبر سفارة للكيان في العالم، كما كانت.

تخيلوا (إيران النقيض)، تستعيد أطماع الشاه في العراق، والبحرين، وبقية دول الخليج.

إن أي تغيير إلى النقيض في إيران، سيكون بمثابة الكارثة على العرب، دون تمييز

تعليقات