معتز منصور يكتب : ثبات إيران الإستراتيجي


الجدل حول مستقبل سياسة إيران الإقليمية، وبشكل خاص دعمها لجبهة المقاومة، يتجدد كلما اهتز الداخل الإيراني اقتصاديًا واجتماعيًا. موجات الاحتجاج الأخيرة المرتبطة بالضغوط المعيشية، التضخم المتسارع، وانهيار القدرة الشرائية للطبقات الوسطى والفقراء، تثير السؤال المركزي: هل يمكن أن تدفع هذه الأزمات النظام إلى التخلي عن حلفائه في المنطقة أو التخفيف من دعم محور المقاومة كخطوة لتخفيف الضغط الدولي؟ الإجابة، عند تفكيك البنية الاستراتيجية لإيران، تكشف أن هذا الخيار ليس مطروحًا عمليًا، بل يكاد يكون مستحيلاً بنيويًا.

تصريحات مستشار المرشد الأعلى، الدكتور علي أكبر ولايتي، حول الدور المركزي لحزب الله ودور جبهة المقاومة، تعكس أكثر من مجرد خطاب إعلامي، فهي ترجمة لسياسة الدولة الإيرانية الثابتة تجاه محور المقاومة. ففي مقابلة مع وكالة تسنيم للأنباء بتاريخ 26 نوفمبر 2025، شدد ولايتي على أن “وجود حزب الله في لبنان أصبح اليوم أهم من الخبز والماء”، في رسالة واضحة بأن التزام إيران الاستراتيجي بدعم حلفائها الإقليميين مستمر رغم الضغوط الداخلية والتحديات الإقليمية. من هذا المنظور، يُنظر إلى هذا الدعم ليس كتكلفة خارجية، بل كاستثمار استراتيجي للحفاظ على خطوط الاشتباك المتقدمة، وضمان قوة الردع مقابل التهديدات المتصاعدة، خصوصًا من إسرائيل المدعومة أمريكيًا.

في سياق الاحتجاجات الجارية، جاءت تصريحات مايك بومبيو، وزير الخارجية الأميركي الأسبق ورئيس وكالة الاستخبارات المركزية سابقًا، لتسلط الضوء على محاولة القوى الأجنبية استثمار الغضب الشعبي الداخلي ضد النظام. فقد كتب بومبيو على منصة «إكس»: «عامٌ جديدٌ سعيد لكل الإيرانيين الموجودين في الشوارع، وكذلك لكل عميلٍ للموساد يسير إلى جانبهم»، في اعتراف ضمني بأن واشنطن تعتبر هذه الاحتجاجات فرصة للتأثير على السياسة الداخلية الإيرانية وربطها بمحاولات تقويض محور المقاومة الذي تدعمه إيران. مثل هذا التصريح يعكس استمرار محاولات خلق فجوة بين الصمود الداخلي الإيراني وثوابته الاستراتيجية الإقليمية، لكنه أيضًا يظهر محدودية تأثير هذه المحاولات على ثوابت الدولة، إذ التجربة التاريخية للنظام تؤكد قدرته على فصل الأزمة الداخلية عن سياساته الاستراتيجية الإقليمية.

الخصوصية العقائدية للنظام الإيراني تجعل فكرة التخلي عن المقاومة شبه مستحيلة. الدولة الإيرانية ليست دولة قومية تقليدية، بل دولة عقائدية، يعتبر الفصل بين السياسة والعقيدة فيها بمثابة فقدان للهوية السياسية. محور المقاومة، في هذا السياق، ليس خيارًا تكتيكيًا، بل امتداد مباشر لهوية الدولة ومفهومها للأمن القومي. أي تراجع عن هذا الدعم، حتى في مواجهة أزمات اقتصادية داخلية، سيُنظر إليه كنكسة وجودية، لا مجرد تعديل في السياسة الخارجية.

مع ذلك، الأحداث الجارية في الداخل الإيراني تلعب دورًا مهمًا في فهم ديناميكيات هذا القرار. الاحتجاجات الأخيرة، التي اندلعت في عدد من المدن الكبرى ضد تدهور الوضع المعيشي، والتضخم القياسي، وارتفاع أسعار الغذاء، تُظهر حجم التحديات الاقتصادية والاجتماعية. لكنها، بالمقابل، لم تؤد إلى ظهور بديل سياسي واضح قادر على إعادة تعريف الأولويات الاستراتيجية للدولة. التجربة التاريخية للنظام الإيراني تؤكد قدرته على إدارة الاحتجاجات بالقمع الجزئي أو عبر بعض الإصلاحات الاقتصادية الرمزية، مع الحفاظ على الثوابت الاستراتيجية.

من الناحية الجيوسياسية، تعتبر إيران حلفاءها في لبنان وسوريا والعراق واليمن جزءًا من “ثروتها الجيوسياسية”. هذه الشبكة تمنحها قدرة غير متماثلة على الردع في مواجهة خصوم متفوقين تقنيًا، وفي مقدمتهم إسرائيل. التخلي عن هذه الشبكة سيؤدي إلى انكشاف مباشر للعمق الاستراتيجي الإيراني، وهو ما يعتبره النظام خطًا أحمر. الهجمات الإسرائيلية المتكررة في سوريا ولبنان وغزة واليمن، وتصاعد التهديدات المتزامنة مع الحراك الداخلي، تعزز موقف إيران، إذ تُظهر أن التراجع عن دعم المقاومة لن يؤدي إلا إلى زيادة المخاطر الداخلية والخارجية.

التجربة التاريخية لمحور المقاومة تُظهر أن هذه الشبكة لم تُبْنَ فقط على أساس دعم عقائدي أو طائفي، بل على حسابات استراتيجية دقيقة، تجمع دولًا وتنظيمات مختلفة ضمن أهداف مشتركة ضد نظام الهيمنة الإقليمي والدولي، وبالأخص مواجهة التهديد الإسرائيلي الأمريكي. أي محاولة خارجية لربط الأزمة الداخلية الإيرانية بمحور المقاومة هي محاولة لتسويق قراءة تبسيطية، تتجاهل عمق التخطيط الإيراني والفارق بين الأزمة الاجتماعية والسياسة الاستراتيجية الخارجية.

النص التاريخي المتعلق بالانتقال من اليسار الفلسطيني إلى المقاومة الإسلامية يعكس بوضوح كيف تمكنت إيران من ملء الفراغ الاستراتيجي، وجعل القضية الفلسطينية محورًا مركزيًا للسياسة الإقليمية الإسلامية، خصوصًا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. هذا التحول لم يكن مجرد تغيير في القيادة أو الانتماءات، بل إعادة بناء لنمط المقاومة في المنطقة، قائم على مزيج من العقيدة، القدرات العسكرية، والربط الاستراتيجي مع الحلفاء الإقليميين.

الشواهد الواقعية للأحداث الأخيرة في إيران تُظهر أن الاحتجاجات الداخلية تزيد الحاجة إلى تعزيز استراتيجيات الردع، وليس التنازل عنها. فكل تصعيد خارجي، سواء عبر الهجمات الإسرائيلية، العقوبات الاقتصادية، أو الحملات الإعلامية الغربية، يُنظر إليه في إيران ليس كمشكلة اقتصادية فحسب، بل كاختبار للقدرة على الصمود الداخلي والخارجي. النظام يرى في الحفاظ على محور المقاومة أداة أساسية للحفاظ على تماسك الدولة، وضمان أن يكون الرد على أي تهديد خارجي مؤثرًا.

الخلاصة الاستراتيجية واضحة: إيران لن تتخلى عن جبهة المقاومة، لا بسبب ضعف داخلي، بل بسبب أن التراجع سيضاعف المخاطر ويكشف العمق الاستراتيجي الإيراني. في المنطق الإيراني، الصمود الخارجي شرط للاستقرار الداخلي، وليس العكس. لذلك، الرهان على الاحتجاجات الداخلية لتغيير هذا التوجه الاستراتيجي يفتقد إلى الواقعية ويخلط بين غضب اجتماعي مشروع وخيارات استراتيجية لا يمكن المساومة عليها.

تعليقات