في مباراة الجزائر والكونغو في بطولة أفريقيا…ووسط الطبول، والهتاف، والأعلام، والفرح المتوتر..كان هناك رجل واحد لا يفعل شيئًا من هذا.
كان واقفًا.
فقط واقف.
رافعًا يده إلى أعلى…في وقفة تشبه التمثال.
مرت دقيقة… دقيقتان… شوط كامل… مباراة كاملة…
والرجل لم يجلس.
كان يقلّد وقفة رجل آخر..وقف يومًا قبل عشرات السنين، لا في ملعب كرة…بل في وجه عالم كامل.
كان يقلّد وقفة باتريس لومومبا.
ذلك الرجل الذي قال يوم استقلال بلاده:
“نحن لسنا أحرارًا لأنكم منحتمونا الحرية…
نحن أحرار لأننا انتزعناها.”
اقتربت المباراة من نهايتها…
وكان فريقه قريبًا من الفوز.
الناس بدأت تنظر إليه أكثر مما تنظر للكرة.
وفي اللحظة الأخيرة…
خسر الفريق.
وفي اللحظة نفسها تقريبًا…
سقط الرجل.
التقطته الكاميرات…
وانتشرت صورته…
وقال الناس في كل أفريقيا:
“هذا ليس مشجعًا…
هذا شعب لم ينس زعيمه.”
بهذه الوقفة…استعاد الرجل الزمن.
أعادنا إلى قلب أفريقيا…
إلى بلد اسمه الكونغو.
بلد واسع، أخضر، غني بالأنهار والمعادن…وفقير بالحرية.
كانت الكونغو مستعمَرة.
خيراتها تخرج…وكرامة أهلها تُداس.
هناك وُلد شاب بسيط اسمه باتريس لومومبا.
لم يولد زعيمًا…
بل إنسانًا عاديًا.
عمل.
تعلّم.
قرأ كثيرًا.
ومع كل ما قرأه ورآه…
بدأ يسأل:
لماذا نُهان في بلادنا؟
لماذا نعمل ولا نملك؟
لماذا يُقال لنا إننا أقل من غيرنا؟
وحين فهم…
لم يصمت.
بدأ بالكلمة.
خطابات في المقاهي.
نقاشات في الشوارع.
رسائل تقول للناس:
“أنتم لستم عبيدًا… أنتم أصحاب بيت.”
كبر صوته.
وكثر من حوله.
وخافت منه السلطة.
وبعد سنوات من النضال…
جاء اليوم الذي انتظره شعب الكونغو طويلًا.
يوم الاستقلال.
وقف لومومبا – الوقفة نفسها التي وقفها رجل المباراة - وقف يخطب..
قال إن شعبه تألم.
وإنه ضُرب وأُهين وسُرق.
وإن زمن الذل انتهى.
وصار لومومبا أول رئيس وزراء منتخب للكونغو.
لكن الحرية…
لا يحبها الذين تعودوا أن يربحوا من القيود.
بدأت المؤامرات.
من الداخل…
ومن الخارج.
حوصِر الرجل.
شُوّهت صورته.
وخُذل.
ثم…
اعتُقل.
وفي ليلة بعيدة عن الضوء…
قُتل باتريس لومومبا.
ظنوا أنهم أطفأوا الصوت.
لكنهم نسوا شيئًا واحدًا…
أن للأصوات أبناء.
كانت زوجته وأطفاله مطاردين.
خائفين.
مهددين.
وهنا…
دخلت مصر إلى الحكاية.
في ذلك الزمن، كان في مصر قائد اسمه جمال عبد الناصر.
كان يرى أفريقيا جزءًا من قلبه،
ويرى في لومومبا أخًا في المعركة.
وحين عرف أن أبناء لومومبا في خطر…
لم يتفرج.
في عملية سرية شجاعة…
تم تهريب أبناء لومومبا من الكونغو،
عبر طرق صعبة،
حتى وصلوا إلى القاهرة.
وهناك…
لم يُستقبلوا كلاجئين…
بل كأبناء بيت.
دخلوا المدارس.
لعبوا في الشوارع.
كبروا بين الناس.
مات لومومبا جسدًا…
لكن أبناءه كانوا أحياء…
وفكرته كانت تتنفس.
وهكذا…
من وقفة رجل في مدرج…
إلى وقفة زعيم في التاريخ…
نفهم أن بعض الناس لا يموتون.
بل يتحولون إلى ذاكرة تمشي على قدمين.
وأن شعبًا يتذكر…شعب لا يُهزم.

تعليقات
إرسال تعليق
أترك تعليق