د. أيمن خالد يكتب : قراءة تساؤلية هادئة في المثلث 'العراقي السوري التركي" والدور الأميركي


ليس العالم اليوم في لحظة انهيار فجائي، بل في مرحلة تصادم بين ما انتهى ولم يُغلق، وما وُلد ولم يكتمل.

وهنا تكمن خطورة المرحلة: ليست الفوضى، بل إدارة التركة الثقيلة التي خلّفتها حروب كبرى، وأنظمة سابقة، وتدخلات دولية لم تُحسب نتائجها حتى النهاية.

الولايات المتحدة، في هذا السياق، لا تتحرك من موقع هندسة نظام عالمي متماسك، بل من موقع قوة متورطة تحاول احتواء نتائج سياساتها السابقة، وعلى رأسها غزو العراق، وما تلاه من سلسلة حرائق ما زالت مشتعلة بأشكال مختلفة. هي لا تطفئ النار لأنها تريد السلام، بل لأنها لم تعد تحتمل كلفة الاشتعال المفتوح.

من هنا، يصبح المثلث العراقي–السوري–التركي ساحة كاشفة، لا بوصفه مسرح صراع، بل بوصفه مختبر إدارة ما بعد الفوضى.

في سوريا، لا يمكن قراءة المشهد بوصفه استمرارًا لنظام سابق استنزف الدولة والمجتمع فحسب، ولا بوصفه فوضى جديدة بلا سياق. سوريا اليوم دولة خرجت من حقبة قاسية، تُطاردها ملفات سائبة: أمنية، اجتماعية، سيادية، وحدودية. هذه الملفات لم تُخلق اليوم، بل تُركت دون معالجة لعقود، ثم انفجرت دفعة واحدة.

التصادم القائم في سوريا ليس صراع هوية أو شرعية بقدر ما هو صراع على ترتيب ما بعد الاستنزاف:

كيف تُعاد بناء الدولة؟

من يضمن الأمن؟

ومن يملك حق إدارة المرحلة الانتقالية الثقيلة؟

في هذا السياق، لا تبدو سوريا ساحة مفتوحة للاستخدام، بل دولة تحاول استعادة توازنها وسط ضغط إقليمي ودولي متشابك، وهو ما يجعل أي احتكاك فيها قابلًا للتأويل الخاطئ أو التصعيد غير المقصود.


أما تركيا، فهي ليست حلقة توتر، بل فاعل دولي صاعد يدرك موقعه وحدود قوته معًا. تركيا لا تتحرك من موقع المغامرة، بل من موقع الدولة التي فُرضت عليها ملفات معقدة على حدودها الجنوبية، ولم يعد بإمكانها تجاهلها.

واشنطن، المثقلة بإرث العراق، باتت أكثر استعدادًا للنظر إلى تركيا بوصفها ضامنًا عمليًا لا حليفًا تكتيكيًا فقط. ليس لأن تركيا بديل عن الدور الأميركي، بل لأنها الطرف القادر على إدارة التماس المباشر:

أمن الحدود،

ضبط الفواعل المسلحة،

ومنع تحوّل الفراغ إلى تهديد إقليمي واسع.

تركيا هنا لا تلعب دور الوكيل، بل دور الشريك الوظيفي الذي يمكن الاعتماد عليه حين تتراجع قدرة الولايات المتحدة على التدخل المباشر دون كلفة سياسية أو عسكرية عالية.

ويبقى العراق هو الحلقة الأكثر إيلامًا في هذا المثلث. دولة لم تُمنح فرصة بناء نظام سياسي سليم، بل فُرض عليها نظام مشوّه تحت ضغط مزدوج أميركي–إيراني. ضغطان متناقضان في الشكل، متقاطعان في الجوهر:

كلاهما أراد عراقًا غير قادر على الاستقلال الكامل،

ولا يضع مصلحة الدولة العراقية كأولوية عليا.

النتيجة كانت نظامًا سياسيًا هشًا:

شرعية منقوصة،

سيادة مجزأة،

وقرار وطني محاصر.

الولايات المتحدة لا تريد انهيار العراق، لكنها لا تعمل بجدية على تمكينه.

وإيران لا تريد دولة عراقية قوية مستقلة، بل ساحة نفوذ متقدمة.

وفي هذا الفراغ، يُترك العراق ليؤدي وظيفة خطرة: امتصاص الصدمات دون أن يُسمح له بالتحول إلى لاعب.

هنا تتضح صورة الدور الأميركي في المثلث كله.

ليس قائدًا، بل منسّق أزمات.

ليس صانع نظام، بل مدير إرث ثقيل.

هي قوة تعرف أن الحريق الأكبر الذي أشعلته كان في العراق،

وأن كلفة الإطفاء ما زالت مستمرة،

وأن أي انفلات جديد قد يعيد إشعال السلسلة من جديد.

لذلك، تُدار المنطقة بمنطق:

احتواء لا حل،

ضمانات إقليمية بدل تدخل مباشر،

وشراكات وظيفية بدل التزامات كبرى.

السؤال العميق لم يعد: ماذا تريد الولايات المتحدة؟

بل: إلى متى يمكن إدارة هذا التوازن المختل دون انفجار؟


وإذا كانت تركيا تُقدَّم اليوم بوصفها ضامنًا ممكنًا،

وسوريا دولة تحاول لملمة تركة الاستنزاف،

والعراق دولة محاصرة بنظام مشوّه…

فإن السؤال الذي سيحسم المرحلة المقبلة هو:

هل يُسمح لهذا المثلث أن يتحول من ساحة إدارة نار إلى مساحة إعادة بناء عقلانية؟

أم سيبقى مادة اختبار حتى إشعار آخر؟

هذا هو جوهر اللحظة.

وهذا هو السؤال الذي لم يُجب عنه أحد بعد.


د. أيمن خالد 

إعلامي وباحث في الشؤون السياسية والقانون الدولي

تعليقات