معتز منصور يكتب : بالوقائع لا بالأمنيات


الصين بنت علاقتها مع فنزويلا عبر عقود من التفاعلات الاقتصادية والسياسية العملية وليس عبر خطاب دعائي فارغ، واستراتيجيتها كانت واضحة منذ البداية تركز على دعم الاستقرار البنيوي للدولة الفنزويلية وتوسيع نفوذها من خلال أوراق اقتصادية ورسائل دبلوماسية ثابتة في المحافل الدولية. في السنوات التي سبقت أزمة 2026، قدمت بكين قروضا وتمويلات كبيرة تجاوزت الستين مليار دولار في إطار نموذج تمويل مقابل نفط، وهو نوع من التبادل القائم على المصالح الاقتصادية المتبادلة ومسؤولية مالية ضخمة تعرضت لها الصين، وقدمت مرونة في إعادة جدولة الديون وتأجيل السداد عندما بدأ الاقتصاد الفنزويلي يعاني اختناقات حادة تحت وطأة العقوبات الأميركية وركود إنتاج النفط. هذا الدعم المالي لم يكن هبة مجانية، بل كان مرتبطا بعقود ومصالح طويلة الأجل، ومع ذلك حافظ على حد أدنى من السيولة في الاقتصاد الفنزويلي داخل نظام دولي متوتر.

على مستوى الطاقة، أصبحت الصين شريكا رئيسيا لشركة النفط الوطنية الفنزويلية واستثمرت في مشاريع استخراج النفط الثقيل وتكنولوجيا المعالجة، وبدون أن تدخل في مواجهة مباشرة مع واشنطن، واصلت استخدام قنوات تجارية مرنة وأسعار متوازنة للحفاظ على تدفق النفط إلى أسواقها. هذا السلوك يعكس نهجا براغماتيا في إدارة العلاقات الدولية يضع في الحسبان حدود القوة الاقتصادية أمام القوة العسكرية والسياسية.

في المحافل الدولية، تجنب القادة الصينيون التصعيد الكلامي، وبدلا من ذلك وثبتوا موقفا يقوم على رفض تغيير الأنظمة بالقوة واحترام السيادة، وهو موقف انعكس في الأمم المتحدة وداخل مجلس الأمن من خلال معارضة أي محاولة تدخلية تُفقد العملية السياسية شرعيتها الدولية. هذا الدعم السياسي لم يكن دائما في صورة استخدام حق الفيتو، لكنه وفّر غطاء دبلوماسيا حاسما منع تصعيد الأزمة إلى حملة دولية واسعة.

هذه الأدوات، رغم أهميتها، لم تنقذ الاقتصاد الفنزويلي من أزماته الهيكلية، لكنها منعت انهياره الكامل ووفرت فسحة عمل للدولة ومؤسساتها في ظل عزلة اقتصادية مفروضة. الصين لم تدخل في مواجهة عسكرية دفاعا عن فنزويلا ولم تكسر العقوبات الأميركية فجأة أو تصرّف أموالا بلا ضمانات، وبهذا حافظت على نفوذها من دون أن تخسر أكثر مما يمكن تحمله في سياق تنافس عالمي مع الولايات المتحدة.

في أوائل كانون الثاني من عام 2026 حدث تحول لم يسبق له مثيل عندما نفّذت الولايات المتحدة عملية عسكرية داخل فنزويلا أدت إلى اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو ونقله إلى الأراضي الأميركية بتهم جنائية، وهي واقعة وثقتها وسائل إعلام دولية وتناقلتها وكالات عالمية مثل وكالة رويترز التي أشارت إلى أن هذه العملية مثلت رسالة أميركية واضحة للصين لإبعاد نفوذها عن أميركا اللاتينية.  تلك الخطوة الأميركية المتصاعدة أثارت ردود فعل صينية اعتبرتها انتهاكا للسيادة الوطنية وتهديدا للاستقرار في المنطقة، وجاءت الانتقادات من بكين في سياق تحذير عام ضد التدخلات العسكرية في شؤون الدول الأخرى.

اعتقال مادورو كشف حدود النفوذ الصيني في محور العلاقات الدولية، فقد برهن أن القوة الاقتصادية والاستثمارية وحدها ليست كافية لتحصين حليف في مواجهة تدخل عسكري مباشر من قوة عظمى، وأن بكين أمام اختبار جديد لإمكانات استخدام نفوذها بشكل أوسع في سياق قوى متعددة الأقطاب. بينما روسيا، وهي شريك آخر لفنزويلا، وجدت نفسها أيضا في موقف صعب حيث كشفت العملية الأميركية أنها غير قادرة على تقديم رادع عسكري مشابه، رغم دعمها السياسي والرمزي لحكومة كاراكاس، مما يعكس محدودية القدرة الروسية على مواجهة القوة الأميركية بشكل مباشر في هذا السياق.

في الوقت نفسه، فشل النفوذ الأميركي في تحقيق انقلاب سياسي كامل أو إعادة هيكلة مؤسسات الدولة الفنزويلية بعد اعتقال مادورو يوضح أن استخدام القوة العسكرية، رغم تأثيره المباشر على قيادة الدولة، لا يضمن تحقيق أهداف استراتيجية طويلة الأمد إذا كان لا يرتبط بخطة سياسية واضحة تحظى بقبول داخلي ودعم إقليمي واسع. المحصلة الاستراتيجية لعلاقات الصين وفنزويلا حتى هذا الحدث هي أن بكين حافظت على دورها كفاعل اقتصادي وداعم سياسي، لكنها لم تتمكن من تطوير أدوات ردع عسكري أو ضمان حماية كاملة لنظامها الحليف أمام تغييرات قوية في موازين القوة. في النهاية، ما قدمته الصين كان فعليا ومؤثرا على صمود الدولة الفنزويلية، لكنه يعكس أيضا حدود القوة الاقتصادية السياسية في عالم لا يزال القوة العسكرية فيه معيارا حاسما في إعادة تشكيل نفوذ الدول الكبرى.

تعليقات